Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير البحر المديد في تفسير القرآن المجيد/ ابن عجيبة (ت 1224 هـ) مصنف و مدقق


{ وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِيۤ أَنْفُسِهِنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } * { وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ ٱلنِّسَآءِ أَوْ أَكْنَنتُمْ فِيۤ أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَـٰكِن لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّاً إِلاَّ أَن تَقُولُواْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً وَلاَ تَعْزِمُوۤاْ عُقْدَةَ ٱلنِّكَاحِ حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْكِتَابُ أَجَلَهُ وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِيۤ أَنْفُسِكُمْ فَٱحْذَرُوهُ وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ }

قلت: و { الذين يُتوفون }: مبتدأ: و { يتربصن }: خبر، ولا بد من الحذف ليصح الإخبار، إما من الصدر أو من العَجزُ، أي: وأزواج الذين يتوفون، أو الذين يتوفون أزواجهن يتربصن. يقول الحقّ جلّ جلاله: { والذين } يموتون منكم، أيها المؤمنون، ويتركون { أزواجاً } ، فلا يتزوجن حتى { يتربصن } أي: يمكثن { بأنفسهن أربعة أشهر } وعشرة أيام لأن الجنين يتحرك لثلاثة أشهر إن كان ذكراً، ولأربعة إن كان أنثى في الغالب، وزيد عشرةً، استظهاراً، هذا في غير الحامل، أما الحامل، فعدتها وضع حملها. { فإذا بلغن أجلهن } أي: انقضت عدتهن، { فلا جناح عليكم } أيها الأولياء { فيما فعلن في أنفسهن } من التزين والتعرض للنكاح أو التزوج، { بالمعروف } ، بحيث لا ينكره الشرع من تزين ونكاح، { والله بما تعملون خبير } فيجازيكم على ما فعلتم. { ولا جناح عليكم } أيها الخُطَّاب { فيما عرَّضتم به } للمعتدات { من خطبة النساء } كقول الرجل: إني لراغب في صحبتكم، وإني أريد أن أتزوج في هذه الساعة. وإنك لنافقة، أو لا يصلح لك أن تبقى بلا زوج، ونحو هذا، { أو أكننتم } أي: أضمرتم { في أنفسكم } في زمن العدة من أمر التزوج دون تصريح، { علم الله أنكم } ستذكرون النساء المعتدات، وتتكلمون في نكاحهن، حرصاً وتمنياً، فعرّضُوا بذلك، { ولكن لا تواعدوهن سرّاً } أي: في الخلوة، أو لا تواعدوهن نكاحاً أو جماعاً، { إلا أن تقولوا قولاً معروفاً } وهو التعريض بالألفاظ المتقدمة. ولا تقطعوا { عقدة النكاح } ، وتعزموا على فعله { حتى يبلغ } كتاب المعتدة { أجله } ، وتنقضي العدة، { واعملوا أن الله يعلم ما في أنفسكم } من الرغبة والحرص، { فاحذروه } فإنَّ الحرص على الشيء، والرغبة فيه، قبل أوانه، ربما يعاقب صاحبه بحرمانه، وما قُدِّر لكَ لا يكون لغيرك، وما كان لغيرك لا يكون لك، ولو فعلت ما فعلت، { واعلموا أن الله غفور } لِمَا استعجلتم فإن الإنسان خُلق عجولاً، { حليم } فلا يعاجلكم ولا يفضح سرائركم. الإشارة: إذا ماتت النفس عن الهوى، وتركت حظوظاً وشهوات، فلا ينبغي أن يردها إلى ذلك حتى تتربص مدة، فيظهر عليها آثارُ الزهد من السكون إلى الله، والتأنس بمشاهدة الله حتى تغيب عما سواه. فإذا بلغت هذا الوصف فلا جناح على المريد أن يسعفها فيما تفعل بالمعروف، من غير سَرَفٍ ولا ميل إلى هوى، لأن فعلها حينئذٍ بالله، ومن الله، وإلى الله، { والله بما تعملون خبير } لا يخفى عليه شيء من أمرها، ولا جناح عليكم، أيها المريدون، إن تزكت نفوسكم،وطهرت من الأغيار قلوبكم، فيما عرضتم به من خطبة أبكار الحقائق وثيبات العلوم، أو أكننتم في أنفسكم من المعارف والفهوم، علم الله أنكم ستذكرون ذلك باللسان قبل أن يصل الذوق إلى الجَنَان، فلا تصرحوا بعلوم الحقائق مع كل الخلائق فإن ذلك من فعل الزنادق، إلا أن تقولوا قولاً معروفاً، إشارة أو تلويحاً، فعلمنا كله إشارة، فإذا صار عبارة خفي. ولا تطلبوا علم الحقائق قبل بلوغ أجله، وهو موت النفوس، والزهد في الفلوس، وكمال التربية، وتمام التصفية، { واعملوا أن الله يعلم ما في أنفسكم } من الشرة إليها قبل أوانها، { فاحذروه } أن يعاقبكم بحرمانها، { واعلموا أن الله غفور حليم } لا يعاجلكم بحرمان قصدكم، إن صح مقصدكم، والله تعالى أعلم، وبالله التوفيق.