Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير البحر المديد في تفسير القرآن المجيد/ ابن عجيبة (ت 1224 هـ) مصنف و مدقق


{ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ } * { شَاكِراً لأَنْعُمِهِ ٱجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } * { وَآتَيْنَاهُ فِي ٱلْدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي ٱلآخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّالِحِينَ } * { ثُمَّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ أَنِ ٱتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ }

يقول الحقّ جلّ جلاله: { إِنَّ إِبراهيم كان أُمةً } أي: إمامًا قدوة قال تعالى:إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً } [البقرة: 124]، قال ابن مسعود: " الأُمة: معلّم الناس الخيرَ " ، أو أمة وحده، اجتمع فيه ما افترق في غيره، فكان وحده أمة من الأمم لكماله واستجماعه لخصال الكمال التي لا تكاد تجتمع إلا في أشخاص كثيرة، كقول الشاعر:
ولَيْسَ عَلَى الله بمُسْتَنْكَرٍ أنْ يَجْمَعَ العَالَمَ فِي وَاحِد   
وهو رئيس الموحدين، وقدوة المحققين، جادل فرق المشركين، وأبطل مذاهبهم الزائفة بالحجج الدامغة. ولذلك عقَّب ذكره بتزييف مذاهب المشركين. أو: لأنه كان وحده مؤمنًا وسائر الناس كفارًا. قاله البيضاوي. وكان { قانتًا لله } مطيعًا قائمًا بأوامره، { حنيفًا } مائلاً عن الباطل، { ولم يَكُ من المشركين } ، وأنتم يا معشر قريش تزعمون أنكم على دينه، وأنتم مشركون. وكان { شاكرًا لأنعُمِه } ، لا يخل بشكر قليل منها ولا كثير. ولذلك ذكرها بلفظ جمع القلة، { اجتباه }: اختاره للنبوة والرسالة والخلة. { وهداه إلى صراط مستقيم } التي توصل إلى حضرة النعيم، ودعا إليها، { وآتيناه في الدنيا حسنة } بأن حببناه إلى كافة الخلق، ورزقناه الثناء الحسن في الملل كلها، حتى إِنَّ أرباب الملك والجبابرة يتولونه ويثنون عليه. ورزقناه أولادًا طيبة، وعمرًا طويلاً في الطاعة والمعرفة، ومالاً حلالاً. { وإنه في الآخرة لمن الصالحين } لحضرتنا، المقربين عندنا، الذين لهم الدرجات العلا كما سأله ذلك بقوله:وَأَلْحِقْنِي بِٱلصَّالِحِينَ } [الشُّعَرَاء: 83]. { ثم أوحينا إليك } يا محمد { أن اتبعْ ملةَ إِبراهيم } دينه ومنهاجه في التوحيد، والدعوة إليه بالرفق، والمجادلة بالتي هي أحسن، كل واحد بحسب فهمه. وكان { حنيفًا } مائلاً عما سوى الله، { وما كان من المشركين } ، بل كان قدوة الموحدين. كرره ردًا على اليهود والنصارى والمشركين في زعمهم أنهم على دينه مع إشراكهم. والله تعالى أعلم. الإشارة: كل من تمسك بطاعة الله ظاهرًا، أو مال عما سوى الله باطنًا، وشكر الله دائمًا، ودعا الناس إلى هذا الأمر العظيم: كان وليًا إبراهيميًا، محمديًا، خليلاً حبيبًا، مقربًا، قد اجتباه الحق تعالى إلى حضرته، وهداه إلى صراط مستقيم، وعاش في الدنيا سعيدًا، ومات شهيدًا، وألحق بالصالحين. جعلنا الله منهم بمنِّه وكرمه. ولما ادعت اليهود أنهم على ملة إبراهيم دون غيرهم ردَّ الله عليهم