Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير البحر المديد في تفسير القرآن المجيد/ ابن عجيبة (ت 1224 هـ) مصنف و مدقق


{ قَالُواْ يَٰأَبَانَا مَا لَكَ لاَ تَأْمَنَّا عَلَىٰ يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ } * { أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَداً يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ } * { قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِيۤ أَن تَذْهَبُواْ بِهِ وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ ٱلذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ } * { قَالُواْ لَئِنْ أَكَلَهُ ٱلذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّآ إِذَاً لَّخَاسِرُونَ }

قلت: تأمننا: اجتمع نونان، فيجوز الإدغام، وبه قرأ أبو جعفر، وقرأ الجماعة بالإشمام. وقوله: يرتع ويلعب: جواب الأمر، فمن قرأ بكسر العين فجزمه بحذف الياء، وهو من رعي الإبل، ومن قرأ بالإسكان فهو من الرتع، وهي الإقامة في الخصب والنعم، والتاء على هذا أصلية. ووزن الفعل: يفعل، ووزنه على الأول يفتعل، قال ابن عطية: فيرتع على قراءة نافع من رعي الإبل، أي: يتدرب في رعي الإبل وحفظ المال. قال أبو علي: وقراءة ابن كثير: نرتع بالنون ويلعب بالياء، فنزعها حسن لإسناد النظر في المال والرعاية إليهم، واللعب إلى يوسف لصباه، وقرأ أبو عمر وابن عامر: نرتع ونلعب بالنون فيهما، وإسكان العين والباء، من الرتوع، وهو الإقامة في الخصب والمرعي في أكل وشرب، وقرأ عاصم والأخَوان: يرتع ويلعب بإسناد ذلك كله إلى يوسف. هـ. قلت: وكذا قرأ نافع، غير أنه يكسر العين وهم يسكنون. ونحن عصبة: حال، والرابط الواو، والعصبة: الجماعة من العشرة إلى فوق. يقول الحق جل جلاله: قال إخوة يوسف لأبيهم: { يا أبانا مَا لَك لا تأمنّا على يوسف } أي: لم تخافنا عليه؟ { وإنا له لناصحون } نشفق عليه، ونريد له الخير. أرادوا أن يستنزلوه عن رأيه في حفظه منهم لما تنسم من حسدهم. قلت: قد نصحوه في الحقيقة حيث تسببوا في ملكه وعزه. رُوي أنهم لما قالوا له: مالك... الخ، اهتزت أركانه، واصفر لونه، واصطكت أسنانه، وتحركت جوانبه، كأنه علم بما في قلوبهم بالفراسة. ثم قالوا: { أرسِله معنا غداً يرتع }: يتسع في أكل الفواكه ونحوها. أو يتعلم الرعاية، { ويلعبُ } بالاستباق والانتضال، { وإنا له لحافظون } أن يناله مكروه { قال } يعقوب: { إني ليحزنني أن تذهبوا به } لشدة مفارقته عليَّ، وقلة صبري عنه، { وأخافُ أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافِلُون }: لاشتغالكم بالرتع واللعب، أو لقلة اهتمامكم به، وإنما خاف عليه من الذيب، لأن الأرض كانت مذأبة، وقيل: رأى في المنام أن الذئاب أحدقت بيوسف، فكان يخافه، وإنما كان تأويلها: إحداق إخوته به حين أرادوا قتله. { قالوا لئن أكله الذئب ونحن عصبة }: جماعة، { إنا إذا لخاسرون }: مغبونون من القوة والحزم، أو مستحقون بأن يدعى عليهم بالخسارة. الإشارة: لم يسمح يعقوب عليه السلام بفراق حبيبه ساعة، وكذلك العبد لا ينبغي أن يغفل عن سيده لحظة لأن الغفلة فراق، والذكر انجماع، والعبد لا صبر له عن سيده. وأنشدوا:
فلأَبكيَن على الفراق كما بكى سفا لفُرقةِ يوسفٍ يعقوبُ وَلأَدعُوَنَّكَ في الظلام كما دعا عند البلية رَبّةُ أيوبُ   
وأنشدوا أيضاً في ذم الغفلة:
غَفَلتَ عَنِ الأَيَّامِ يا أَخي فَانتَبِهْ وَشَمِّرْ فإن الموتَ لا شك واقعْ على أي شيءٍ هو حزنك قائم جنود المنايا تأتيك فانهض وسارعْ   

السابقالتالي
2