الرئيسية - التفاسير


* تفسير البحر المديد في تفسير القرآن المجيد/ ابن عجيبة (ت 1224 هـ) مصنف و مدقق


{ رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ ٱلْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ فَاطِرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي ٱلدُّنُيَا وَٱلآخِرَةِ تَوَفَّنِى مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِٱلصَّالِحِينَ }

قلت: فاطر: نعت المنادي، أو منادى بنفسه. يقول الحق جل جلاله: حاكياً عن يوسف عليه السلام: { ربِّ قد آتيتني من المُلكِ } أي: من بعض الملك، وهو ملك مصر، { وعلمتني من تأويل الأحاديث } الكتب المتقدمة، أو تأويل الرؤيا. و " من ": للتبعيض فيهما إذ لم يعط ملك الدنيا كلها، ولا أحاط بالعلم كله. { فاطِرَ السَّماواتِ والأرض }: مبدعهما ومنشئهما، { أنت وليي في الدنيا والآخرة }: أنت ناصري ومتولي أمري في الدارين، { توفني مسلماً }: اقبضني ملسماً { وألحقني بالصالحين } من آبائي، أو جماعة الصالحين في الرتبة والكرامة، أو بالصالحين لحضرة قدسك. رُوي أن يعقوب عليه السلام أقام معه أربعاً وعشرين سنة، ثم توفي، فنقله يوسف عليه السلام إلى الشام ليُدفن مع أبويه. هكذا ذكر بعض المفسرين. وقال في الزهر الأنيق: بقي يعقوب عليه السلام بمصر أربعين سنة في أطيب وقت، وأكمل عافية، ثم أوحى الله إلى جبريل: أن انزل إلى يعقوب، وقال له: يرحل إلى الأرض المقدسة، عند قبور آبائه، يجاورهم حتى أُلحِقَه بهم. فنادى يعقوب عليه السلام يوسفَ وأولاده، وقال لهم: قد أمرني ربي بمجاورة أبي ليقبض روحي هناك، ثم ودَّعهم وخرج إلى الأرض المقدسة فزار قبور آبائه فبكى، فرأى في المنام إبراهيم على كرسي، وإسماعيل عن يمينه، وإسحاق عن يساره، وهم يقولون: ألْحق بنا يا يعقوب، فانتبه، ثم قالم فوجد قبراً محفوراً تخرج منه رائحة المسك، فقال: لمن هذا؟ قال له مَلَكٌ عنده: هو لمن يتمنى سكناه، فقال: أنا، فقبض روحه ملكُ الموت، ثم نزل جبريلُ وميكائيلُ ـ عليهما السلام ـ وكفناه وصليا عليه، ودفناه. قال كعب الأحبار: توفي يعقوب وهو ابن مائتي سنة، ولما وصل نعيُه يوسفَ بكى، وبكى معه إخوته. هـ. قلت: ظاهره أنهم لم يحضروا موته. وهو خلاف قوله تعالى:أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ ٱلْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ } [البقرة: 133]، إلا أن يؤول بمعنى: قرب، فتكون وصيته وقعت حين أراد الرجوع إلى الشام، وهو خلاف الظاهر. ثم أن يوسف تاقت نفسه إلى الملك المخلد، فتمنى الموت، فقال: { رب قد آتيتني من الملك.... } الخ. رُوي أنه عاش بعد قوله هذا مدة، ثم ماتت زليخا، ولم يتزوج بعدها، وعاش بعدها أربعين يوماً، ثم اشتاق إلى اللقاء واللحوق بآبائه، فتوفاه الله طيَّباً طاهراً، فتخاصم أهل مصر في مدفنه، حتى هموا بالقتال، فرأوا أن يجعلوه في صندوق من مَرمَرـ أي: رُخام ـ فيدفعوه في النيل بحيث يمر عليه الماء، ثم يصل إلى مصر ليكونوا شرْعاً فيه. وفي رواية: أنهم دفنوه في ضفة النيل فخصبت وجدبت الأولى، فجعلوه في صندوق، ودفنوه في النيل فاخضرت الجهتان، ثم نقله موسى عليه السلام إلى مدفن آبائه.

السابقالتالي
2