Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير البحر المديد في تفسير القرآن المجيد/ ابن عجيبة (ت 1224 هـ) مصنف و مدقق


{ وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ مَكَانَكُمْ أَنتُمْ وَشُرَكَآؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَآؤُهُمْ مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ } * { فَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِن كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ } * { هُنَالِكَ تَبْلُواْ كُلُّ نَفْسٍ مَّآ أَسْلَفَتْ وَرُدُّوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ مَوْلاَهُمُ ٱلْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ }

قلت: مكانكم: مفعول، أي: الزموا مكانكم، وأنتم تأكيد للضمير المنتقل إليه، وشركاؤكم عطف عليه. يقول الحق جل جلاله: { و } اذكر { يوم نحشرهم جميعاً } يعني فريق الحسنى، وفريق النار، { ثم نقول للذين أشركوا } الزموا { مكانَكم } من الخزي والهوان، حتى تنظروا ما يُفعل بكم، { أنتم شركاؤُكم } معكم، تمثيل حينئذ معهم، { فزَيَّلنا }: فرَّقنا { بينهم } وقطعنا الوُصل التي كانت بينهم، { وقال شركاؤهم } ، ينطقها الله تعالى تكذيباً لهم فتقول: { ما كنتم إيانا تعبدون } ، وإنما عبدتم في الحقيقة أهواؤكم لأنها الأمارة لكم بالإشراك. وقيل: المراد بالشركاء: الملائكة والمسيح. { فكفى بالله شهيداً بيننا وبينكم } ، فإنه العالم بحقيقة الحال، { إن كنا } أي: إنه الأمر والشأن كنا { عن عبادتكم لغافلين } ، لم نأمركم بها ولم نرضها. قال ابن عطية: وظاهرة هذه الآية أن محاورتهم إنما هي مع الأصنام دون الملائكة وعيسى، بدليل القول لهم: { مكانكم أنتم وشركاؤكم }. ودون فرعون، ومن عُبد من الجن، بدليل قوله: { إن كنا عن عبادتكم لغافلين } ، وهؤلاء لم يغفلوا قط عن عبادة من عبدهم. هـ. { هنالك تَبْلُو }: في ذلك المقام تبلو { كلُّ نفس ما أسلفتْ } أي: تختبر ما قدمت من الأعمال خيراً أو شراً فتعاين نفعه وضرره، وقرأ الأخوان: " تتلوا " من التلاوة، أي: تقرأه في صحائف أعمالها، أو من التلوِ، أي: تتبع عملها فتقودها إلى الجنة أو النار. والمعنى: تفعل بها فعل المختبر لحالها المعرّف لسعادتها وشقاوتها، فتعرف ما أسلفت من أعمالها، { ورُدُّوا إلى النار }: إلى جزائه إياها بما أسلفوا، { مولاهُمُ الحقّ } أي: متولِّي أمورهم على الحقيقة، لا ما اتخذوه مَولى بافترائهم، { وضلَّ } أي: ضاع وغاب { عنهم ما كانوا يفترون } من أن آلهتهم تشفع لهم، أو كانوا يدّعون أنها آلهة. الإشارة: من أحب شيئاً كان عبداً له، ومن عبد شيئاً حُشر معه. رُوي: أن الدنيا تبعث على صورة عجوز شمطاء زرقاء، تنادي: أين أولادي وأحبابي؟ ثم تذهب إلى جهنم فيذهبون معها. فمن عبد دنياه وهواه وقف موقف الهوان، ومن أحب مولاه ولم يحب معه شيئاً سواه، وقف موقف العز والتقريب في مواطن الإحسان. فهناك تفضح السرائر، وتكشف الضمائر، وتظهر مقامات الرجال، ويفتضح من أسر النقص وادعى الكمال فيرتفع المقربون إلى شهود مولاهم الحق، ويبقى المدعون مع حظوظهم في حجاب الحس والخلق. والله تعالى أعلم. ثم عرّفهم من يستحق العبادة، فقال: { قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ }.