Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير البحر المديد في تفسير القرآن المجيد/ ابن عجيبة (ت 1224 هـ) مصنف و مدقق


{ وَإِذَآ أَذَقْنَا ٱلنَّاسَ رَحْمَةً مِّن بَعْدِ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَّكْرٌ فِيۤ آيَاتِنَا قُلِ ٱللَّهُ أَسْرَعُ مَكْراً إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ } * { هُوَ ٱلَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي ٱلْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا جَآءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَآءَهُمُ ٱلْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَـٰذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّاكِرِينَ } * { فَلَمَّآ أَنجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ مَّتَاعَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا ثُمَّ إِلَينَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ }

قلت: جاءتها " إذا " وجملة دعوا: بدل من " ظنوا " بدل اشتمال لأن دعاءهم من لوازم الظن. يقول الحق جل جلاله: { وإذا أذقنا الناسَ رحمةً } ، كصحة وعافية وخصب، { من بعد ضراءَ مَستْهم } ، كمرض أو قحط { إذا لهم مكرٌ في آياتنا } بالطعن فيها، والاحتيال في دفعها، فقد قحط أهل مكة حتى أكلوا الجلود والميتة، ثم رحمهم بالغيث، فطعنوا في آياته بالتكذيب، وكادوا رسوله ـ عليه الصلاة والسلام - { قل اللهُ أسرعُ مكراً } منكم، فقد دبر عقابكم قبل أن تدبروا كيدكم، ووصف مكر الله بالسرعة وإن كان الاستدراج يمهلهم لأنه متيقن واقع لا محالة، وكل آت قريب. { إنَّ رسلنا } الحفظة { يكتبون ما تمكرون } فنجازيكم عليه. قال البيضاوي: هو تحقيق للانتقام، وتنبيه على أن ما يدبرون في إخفائه لم يَخفْ على الحفظة فضلاً أن يخفى على الله. وعن يعقوب: " يمكرون " بالياء ليوافق ما قبله. هـ. قال ابن جزي: هذه الآية للكفار، وتتضمن النهي لمن كان كذلك عن غيرهم، والمكر هنا: الطعن في آيات الله وترك شكره، ومكر الله الموصوف بالسرعة هو عقابه لهم، سماه مكراً مشاكلة لفعلهم، وتسمية للعقوبة باسم الذنب. هـ. فنزول الرحمة بعد الشدة آية تدل على كمال قدرته. وقد وَرَدَ أنه لما نزل بهم القحط التجأوا إليه صلى الله عليه وسلم وقالوا: يا محمد إنك جئت تأمر بمكارم الأخلاق، وإن قومك قد هلكوا، فادع الله يغيثنا، فدعا، فنزل عليهم الغيث، فكانت معجزة له ـ عليه الصلاة والسلام ـ. ثم ذكر آية أخرى فقال: { هو الذي يُسيركم } يقدرته { في البَرِّ والبحر حتى إذا كنتم في الفلك }: السفن، { وجَرَيْنَ بهم } بمن فيهم، عدل عن الخطاب إلى الغيبة للمبالغة، كأنه تذكرة لغيرهم ليتعجب من حالهم، ففيه التفات. ومقتضى القياس: وجرين بكم { بريح طيبةٍ }: لينة الهبوب، { وفَرحُوا بها } لسهوله السير بها، { جاءتها ريحٌ عاصفٌ } أي: شديد الهبوب، { وجاءهم الموجُ من كل مكانٍ } من كل جهة لهيجان البحر حينئذ، { وظنوا أنهم أحيطَ بهم } أي: أهلكوا، أو سُدت عليهم مسالك الخلاص، كمن أحاط به العدو. قال ابن عطية: ركوب البحر وقت حسن الظن به للجهاد والحج متفق على جوازه، وكذا لضرورة المعاش بالصيد ويتصرف للتجر، وأما ركوبه لطلب الدنيا والاستكثار فمكروه عند الأكثر. قلت: ما لم يكن لبلد تجري فيه أحكام الكفار على المسلمين وإلا حرم. ثم قال: وأما ركوبه وقت ارتجاجه فممنوع، وفي الحديث: " من ركب البحر في ارتجاجه فقد برِئَتْ منه الذمة " وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " البحر لا أركبه أبداً " وعن علي ـ كرم الله وجهه ـ أنه قال: لولا هذا الآية، لضربت عنق من يركب البحر.

السابقالتالي
2