Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير روح البيان في تفسير القرآن/ اسماعيل حقي (ت 1127 هـ) مصنف و مدقق


{ هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن طِينٍ ثُمَّ قَضَىۤ أَجَلاً وَأَجَلٌ مُّسَمًّى عِندَهُ ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ }

{ هو } اى الله تعالى { الذى خلقكم } اى ابتدأ خلقكم ايها الناس { من طين } اى تراب مخلوط بالماء فانه المادة الاولى للكل لما انه منشأ لآدم الذى هو اصل البشر. قال السعدى بعث الله جبريل الى الارض ليأتيه بطائفة منها فقالت الارض انى أعوذ بالله منك ان تنقص منى فرجع جبرائيل ولم يأخذ شيئاً قال جلال الدين رومى قدس سره فى المثنوى
معدن شرم وحيا بد جبرائيل بست آن سوكندها بروى السبيل   
قال يا رب انها عاذت بك فبعث ميكائيل فاستعاذت كالمرة الاولى فرجع
خاك لرزيد ودر آمد در كريز كشت اولابه وكنان اشك ريز رفت ميكائيل سوى رب دين خالى از مقصود دست وآستين كفت اسرافيل را يزدان ما كه بروازان خاك بركن كف بيا آمد اسرافيل هم سوى زمين باز آغازيد خاكستان حنين زود اسرافيل باز آمد يشاه كفت عذر وما جرا نزد آله   
فبعث ملك الموت فعاذت منه بالله فقال وانا اعوذ بالله ان اخالف امره فاخذ من وجه الارض فيخلط الحمراء والسوداء والبيضاء فلذلك اختلف الوان ابن آدم ثم عجنها بالماء العذب والملح المر فلذلك اختلف اخلاقهم فقال الله تعالى لملك الموت رحم جبرائيل وميكائيل الرض ولم ترحمها لا جرم اجعل ارواح من اخلق من هذا الطين بيدك
كفت يزدان كه بعلم روشنم من ترا جلاد اين خلقان كنم   
ـ وروى ـ عن ابى هريرة خلق الله آدم من تراب وجعله طينا ثم تركه حتى كان حمأ مسنونا اى اسود متغيرا منتنا ثم خلقه وصوره وتركه حتى كان صلصالا كالفخار اى يابسا مصوتا كالمطبوخ بالنار ثم نفخ فيه من روحه وانما خلق من تراب لان مقام التراب مقام التواضع والمسكنة ومقام التواضع الرفعة والثبات ولذا ورد من تواضع رفع الله و " كان دعاؤه صلى الله عليه وسلم " احينى مسكينا وامتنى مسكينا " " وهو الحكمة فى تعذيب الانسان بالنار لا بالماء لان الظرف المعمول من التراب اذا تنجس ببول او قذر آخر لا يطهر بالماء فالانسان المتنجس بنجاسة المعاصى لا يطهر الا بالنار. وهو الحكمة أيضا فى التيمم عند عدم الماء ويقبر كل جسد فى الموضع الذى اخذت منه طينته التى خمرت فى اول نشأة ابناء آدم عليه السلام. قال الامام مالك لا اعرف اكبر فضل لابى بكر وعمر رضى الله عنهما من انهما خلقا من طينة رسول الله صلى الله عليه وسلم لقرب قبرهما من حضرة الروضة المقدسة المفضلة على الا كوان باسرها زاردها الله تشريفا وتعظيما ومهابة { ثم قضى } اى كتب لموت كل واحد منكم { أجلا } خاصا به اى حدا معينا من الزمان يفنى عند حلوله لا محالة وثم للايذان بتفاوت ما بين خلقهم وبين تقدير آجالهم { وأجل مسمى } اى حد معين لبعثكم جميعا وهو مبتدأ خبره قوله { عِنده } اى مثبت معين فى علمه لا يتغير ولا يقف على وقت حلوله احد لا مجملا ولا مفصلا واما اجل الموت فمعلوم اجمالا وتقريبا بناء على ظهور اماراته او على ما هو المعتاد فى اعمار الانسان وتسميته اجلا انما هى باعتبار كونه لمدة لبثهم فى القبور لا باعتبار كونه مبدأ لمدة القيامة كما ان مدار التسمية فى الاجل الاول هو كونه آخر مدة الحياة لا كونه اول مدة الممات لما ان الاجل فى اللغة عبارة عن آخر المدة لا عن اولها قال حكماء الاسلام ان لكل انسان اجلين.

السابقالتالي
2 3 4