Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير روح البيان في تفسير القرآن/ اسماعيل حقي (ت 1127 هـ) مصنف و مدقق


{ وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً }

{ والذين اذا انفقوا } نفق الشىء اذا مضى ونفد اما بالبيع نحو نفق المبيع نفاقا واما بالموت نحو نفقت الدابة نفوقا واما بالفناء نحو نفقت الدراهم وانفقتها { لم يسرفوا } لم يجاوزوا حد الكرم { ولم يقتروا } ولم يضييقوا تضييق الشحيح فان القتر والاقتار والتقتير هو التضييق الذى هو ضد الاسراف والاسراف مجاوزة الحد فى النفقة { وكان } الانفاق المدلول عليه بقوله انفقوا { بين ذلك } اى بين ماذكر من الاسراف والتقتير وهو خبر كان وقوله { قواما } خبر بعد خبر او هو الخبر وبين ذلك ظرف لغو لكان على رأى من يرى اعمالها فى الظرف. والمعنى وسطا عدلا سمى به لاستقامة الطرفين واعتدالهما بحيث لا ترجح لاحدهما على الآخر بالنسبة اليه لكونه وسطا بينهما كمركز الدائرة فانه يكون نسبة جميع الدائرة اليه على السواء ونظير القوام السواء فانه سمى به لاستواء الطرفين فالآية نظير قوله تعالى فى سورة الاسراءولا تجعل يدك مغلولة الى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا }
وسط را مكن هركز از كف رها كه خير الامورست اوساطها   
وتحقيق المقام الانفاق ضربان محمود ومذموم، فالمحمود منه ما يكسب صاحبه العدالة وهو بذل مااوجبت الشريعة بذله كالصدقة المفروضة والانفاق على العيال ولذا قال الحسن ماانفق الرجل على اهله فى غير اسراف ولافساد والا اقتار فهو فى سبيل الله ومنه مايكسب صاحبه اجرا وهو الانفاق على من الزمت الشريعة انفاقه عليه ومنه مايكسب له الحرية وهو بذل ماندبت الشريعة الى بذله فهذا يكتسب من الناس شكرا ومن ولى النعمة اجرا، والمذموم ضربان افراط وهو التبذير والاسراف وتفريط وهو الامساك والتقتير وكلاهما يراعى فيه الكمية والكيفية فالتبذير من جهة الكمية ان يعطى اكثر ما يحتمله حاله ومن حيث الكيفية ان يضعه فى غير موضعه والاعتبار فيه بالكيفية اكثر من الكمية فرب منفق درهما من الوف وهو فىانفاقه مسرف وببذله ظالم مفسد كمن اعطى فاجره درهما او اشترى خمرا ورب منفق الوفا لايملك غيرها هو فيه مقتصد وبذله محمود كما روى فى شأن ابى بكر الصديق رضى الله عنه حيث انفق جميع ماله فى غزوة تبوك ولما قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم " ماذا ابقيت لاهلك يا ابا بكر " قال الله ورسوله، وقد قيل لحكيم متى يكون بذل القليل اسرافا والكثير اقتصاد اقال اذا كان بذل القليل فى باطل وبذل الكثير فى حق ومن هذا الباب ما قال مجاهد فى الآية لو كان لرجل مثل ابى قبيس ذهبا فانفقه فى طاعة الله لم يكن مسرفا ولو انفق درهما فى معصية الله كان مسرفا والتقتير من جهة الكمية ان ينفق دون مايحتمله حاله ومن جهة الكيفية ان يمنع من حيث يجب وينفق حيث لايجب والتبذير عند الناس احمد لانه جود لكنه اكثر مما يجب والتقتير بخل والجود على كل حال احمد من البخل لان رجوع المبذر الى السخاء سهل وارتقاء البخيل اليه صعب وان المبذر قد ينفع غيره وان اضر بنفسه والمقتر لا ينفع نفسه ولا غيره على ان التبذير فى الحقيقة هو من وجه اقبح اذلا اسراف الا وفى جنبه حق يضيع ولان التبذير يؤدى صاحبه الى ان يظلم غيره ولذا قيل الشحيح اعذر من الظالم ولانه جهل بقدر المال الذى هو سبب استبقاء النفس والجهل رأس كل شر والمتلاف ظالم من وجهين لاخذه من غير موضعه ووضعه فى غير موضعه، قال يزيد بن حبيب فى هذه الآية اولئك اصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كانوا لايأكلون طعاما للتنعم واللذة ولا يلبسون ثيابا للجمال ولكن كانوا يريدون من الطعام ما يسد عنهم الجوع ويقويهم على عبادة ربهم ومن الثياب ما يستر عوراتهم ويكنهم عن الحر والقرّ وفى الحديث

السابقالتالي
2