Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير روح البيان في تفسير القرآن/ اسماعيل حقي (ت 1127 هـ) مصنف و مدقق


{ لاَ إِكْرَاهَ فِي ٱلدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِٱلطَّاغُوتِ وَيْؤْمِن بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ لاَ ٱنفِصَامَ لَهَا وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ }

{ لا إكراه فى الدين } قال بعضهم نزلت هذه الآية فى المجوس واهل الكتاب من اليهود والنصارى انه تقبل منهم الجزية ولا يكرهون على الاسلام ليس كمشركى العرب فانه لا يقبل منهم الا السيف او الاسلام ولا تقبل منهم الجزية ان اسلموا فيها والا قتلوا قال الله تعالىتقاتلونهم أو يسلمون } الفتح 16. والمعنى لا اجبار فى الدين لان من حق العاقل ان لا يحتاج الى التكليف والالزام بل يختار الدين الحق من غير تردد وتلعثم لوضوح الحجة { قد تبين الرشد } هو لفظ جامع لكل خير والمراد ههنا الايمان الذى هو الرشد الموصل الى السعادة الابدية لتقدم ذكر الدين { من الغى } اى من الكفر الذى هو المؤدى الى الشقاوة السرمدية. قال الراغب الغى كالجهل يقال اعتبارا بالاعتقاد والغى اعتبارا بالافعال ولهذا قيل زوال الجهل بالعلم وزوال الغى بالرشد { فمن يكفر بالطاغوت } هو كل ما عبد من دون الله مما هو مذموم فى نفسه ومتمرد كالانس والجن والشياطين وغيرهم فلا يرد عيسى عليه الصلاة والسلام والكفر به عبارة عن الكفر باستحقاقه العبادة { ويؤمن بالله } بالتوحيد وتصديق الرسل لان الكفر بالانبياء والكتب يمنع حقيقة الايمان بالله لان الايمان بالله حقيقة يستلزم الايمان باوامره ونواهيه وشرائعه المعلومة بالدلائل التى اقامها الله لعباده وتقديم الكفر بالطاغوت على الايمان به تعالى لتوقفه عليه فان التخلية بالمعجمة متقدمة على التحلية بالمهملة { فقد إستمسك بالعروة الوثقى } اى بالغ فى التمسك بالحلقة الوكيدة. وعروة الجسم الكبير الثقيل الموضع الذى يتعلق به من يأخذ ذلك الجسم ويحمله. والوثقى فعلى للتفضيل تأنيث الاوثق كفضلى تأنيث الافضل { لا انفصام لها } اى لا انقطاع وهو استثناف لبيان قوة دلائل الحق بحيث لا يعتريها شىء من الشبه والشكوك فان العروة الوثقى استعارة المحسوس للمعقول لان من اراد امساك هذا الدين تعلق بالدلائل الدالة عليه ولما كانت دلائل الاسلام اقوى الدلائل واوضحها وصفها الله بانها العروة الوثقى. قال المولى ابو السعود الكلام تمثيل مبنى على تشبيه الهيئة المنتزعة من ملازمة الاعتقاد الحق الذى لا يحتمل النقيض اصلا لثبوته بالبراهين النيرة القطعية بالهيئة الحسية المنتزعة من التمسك بالحبل المحكم المأمون انقطاعه فلا استعارة فى المفردات { والله سميع } بالاقوال { عليم } بالعزائم والعقائد يعلم غيها ورشدها وباطلها وحقها ويجرى كلا على وفق عمله وقوله وعقده وهو ابلغ وعد ووعيد. واعلم ان حقيقة الايمان كونه متعلقا بالله على وجه الشهود والعيان ومجازه كونه متعلقا به على وجه الرسم والبيان او بالطاغوت وحقيقة الكفر كونه متعلقا بالطاغوت ومجازه كونه متعلقا بوحدة الله او بنعمته فان الكفر ثلاثة اقسام كفر النعمة وكفر الوحدة وكفر الطاغوت وافراد الانسان ثلاثة اقسام ايضا اصحاب الميمنة وهم ارباب الجمال ومظاهره واصحاب المشأمة وهم ارباب الجلال ومظاهره والمقربون وهم اصحاب الكمال ومظاهره وقلوب الفريق الاول فى ايدى سدنة الجمال الآلهى من الملائكة المقربين وقلوب الفريق الثانى فى ايدى سدنة الجلال الآلهى من الشياطين المتمردين يستعملونها فى سبيل الشرور وقلوب الفريق الثالث فى يد الله المتعال يد الله فوق ايدى سدنة الجمال والجلال يقلبها كيف يشاء بين التجليات العاليات والعلوم والمعارف الآلهيات ولما تعلق ايمان هذه الفرق بالله على وجه الشهود والعيان وتعلق كفرهم بالطاغوت جليا او خفيا كان ايمانهم وكفرهم حقيقيين وجاوزوا من عالم المجاز الى عالم الحقيقة واما الفريق الثانى فقد تعلق ايمانهم بالطاغوت مطلقا او خفيا وكفرهم بالوحدة والنعمة فكان ايمانهم وكفرهم مجازيين لكن ايمانهم مردود ككفرهم لانه لم يتعلق بالله اصلا بل كان كله مقصورا على الطاغوت ولذا لم يتجاوزوا من عالم المجاز اصلا ولم يصلوا الى قرب عالم الحقيقة جدا فضلا عن وصولهم الى عالم الحقيقة قطعا واما الفريق الاول فلما تعلق ايمانهم بالله على وجه الرسم والبيان لا بالطاغوت الجلى جدا ولم يتعلق ايمانهم به على وجه الشهود ولم يتعلق ايمانهم به على الاخلاص حين تعلق به على وجه الرسم والبيان لتعلقه ايضا بالطاغوت الخفى وتعلق كفرهم بالطاغوت الجلى فقط لا بالطاغوت لا بالطاغوت الخفى كان ايمانهم وكفرهم مجازيين ايضا لكن ايمانهم لم يكن ككفرهم مردودا بل كان مقبولا من وجه لعدم تعلقه بالطاغوت الجلى اصلا فان غلب تعلقه بالله على تعلقه بالطاغوت الخفى عند خاتمته فيدخل فى الفلاح ثم فى الآخرة ان تداركه الفضل الآلهى فبها ونعمت فيغفر والا فيدخل الجحيم ويعذب بكفره الخفى ثم يخرج لعدم كفره بالله جليا ويدخل النعيم لايمانه بالله جليا وكفره بالطاغوت وهم ايضا لم يصلوا الى عالم الحقيقة بل انما وصلوا الى قربه ولذا جاوزوا الجحيم ودخلوا النعيم فى قرب عالم الحقيقة ولذا كانوا بالنسبة الى نفس الحقيقة موطنين فى عالم المجاز والفرقة لا فى عالم الحقيقة والوصلة واما الفريق الثانى فهم مخلدون فى النار ابدا لايمانهم بالطاغوت مطلقا وكفرهم بالله كذلك ثم سعادة الفريق الثالث على ما هو المنصوص فى القرآن قطعية الثبوت فى آخر النفس وشقاوة الفريق الثانى وسعادة الفريق الاول ليست قطعية الثبوت بل محتملة الثبوت فى آخر النفس بالنظر الى الافراد لجواز التبدل والتغير فى عاقبة الامر الدنيوى بالنظر الى افرادهم هذا ما التقطته من الكتاب المسمى باللائحات البرقيات لشيخى العلامة ابقاه الله بالسلامة.