Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير روح البيان في تفسير القرآن/ اسماعيل حقي (ت 1127 هـ) مصنف و مدقق


{ رَبَّنَا وَٱجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَآ إِنَّكَ أَنتَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ }

{ ربنا واجعلنا مسلمين لك } اى مخلصين لك فالمراد بالمسلم من يجعل نفسه وذاته خالصا لله تعالى بان يجعل التذلل والتعظيم الواقع منه للسان والاركان والجنان خالصا له تعالى ولا يعظم معه تعالى غيره ويعتقد بأن ذاته وصفاته وافعاله خالصة له تعالى خلقا وملكا لا مدخل فى شئ منها لاحد سواه او المعنى واجعلنا مستسلمين لك منقادين بالرضى بكل ما قدرت وبترك المنازعة فى احكامك فان الاسلام اذا وصل باللام الجارة يكون بمعنى الاستسلام والانقياد والرضى بالقضاء. فان قلت لا شك انهما كانا مخلصين ومستسلمين فى زمان صدور هذا الدعاء منهما. قلت المراد طلب الزيادة فى الاخلاص والاذعان او الثبات عليه فهذا تعليم منهما الناس الدعاء للتثبيت على الايمان فانهما لما سألا ذلك مع امنهما من زواله عنهما فكيف غيرهما مع خوفه وسألا ايضا الثبات على الانقياد فاجيبا الى ذلك حتى اسلم ابراهيم للالقاء فى النار واسماعيل للامر بالذبح { ومن ذريتنا امة مسلمة لك } اى واجعل بعض ذريتنا جماعة مخلصة لك بالعبادة والطاعة. وانما خص الذرية بالدعاء مع ان الانسب بحال اصحاب الهمم لا سيما الانبياء ان لا يخصوا ذريتهم بالدعاء لكنهما خصاهم لوجهين الاول كونهم احق بالشفقة كما فى قوله تعالىقوا أنفسكم وأهليكم نارا } التحريم 6. فدعوا لاولادهما ليكثر ثوابهما بهم وفى الحديث " ما من رجل من المسلمين يخلف من بعده ذرية يعبدون الله تعالى الا جعل الله له مثل اجورهم ما عبد الله منهم عابد حتى تقوم الساعة ". والثانى انه وان كان تخصيصا صورة الا انه تعميم معنى لان صلاح اولاد الانبياء سبب وطريق لصلاح العامة فكأنهما قالا واصلح عامة عبادك باصلاح بعض ذريتنا وخصا البعض من ذريتهما لما علما ان من ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين وطريق علمها بذلك امر ان تنصيص الله تعالى بذلك بقولهلا ينال عهدى الظالمين } البقرة 124. والاستدلال بان حكمة الله تعالى تقتضى ان لا يخلو العالم عن افاضل واوساط وارذال فالافاضل هم اهل الله الذين هم اخلصوا انفسهم لله بالاقبال الكلى عليه والاوساط هم اهل الآخرة الذين يجتنبون المنكرات ويواظبون على الطاعات رغبة فى نيل المثوبات والارذال هم اهل الدنيا الذين يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة غافلون جل همتهم عمارة الدنيا وتهيئة اسبابها. وقد قيل عمارة الدنيا بثلاثة اشياء احدها الزراعة والغرس والثانى الحماية والحرب والثالث جلب الاشياء من مصر الى مصر ومن اكب على هذه الاشياء ونسى الموت والبعث والحساب وسعى لعمارة الدنيا سعيا بليغا ودقق فى اعمال فكره تدقيقا عجيبا فهو متوغل فى الجهل والحماقة ولهذا قيل لولا الحمقى لخربت الدنيا وفى المثنوى

السابقالتالي
2