Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير تفسير القرآن / ابن عربي (ت 638 هـ) مصنف و مدقق


{ إِذْ يُغَشِّيكُمُ ٱلنُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن ٱلسَّمَآءِ مَآءً لِّيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ ٱلشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ ٱلأَقْدَامَ } * { إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى ٱلْمَلاۤئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعْبَ فَٱضْرِبُواْ فَوْقَ ٱلأَعْنَاقِ وَٱضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ } * { ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآقُّواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَن يُشَاقِقِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ } * { ذٰلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ ٱلنَّارِ } * { يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفاً فَلاَ تُوَلُّوهُمُ ٱلأَدْبَارَ } * { وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَىٰ فِئَةٍ فَقَدْ بَآءَ بِغَضَبٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ } * { فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ وَلِيُبْلِيَ ٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاۤءً حَسَناً إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } * { ذٰلِكُمْ وَأَنَّ ٱللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ ٱلْكَافِرِينَ } * { إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَآءَكُمُ ٱلْفَتْحُ وَإِن تَنتَهُواْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَعُودُواْ نَعُدْ وَلَن تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } * { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ } * { وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ } * { إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَابِّ عِندَ ٱللَّهِ ٱلصُّمُّ ٱلْبُكْمُ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ } * { وَلَوْ عَلِمَ ٱللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُمْ مُّعْرِضُونَ }

{ إذ يغشيكم } نعاس هدوّ القوى البدنية والصفات النفسانية بنزول السكينة أمناً من عند الله وطمأنينة { وينزل عليكم من } سماء الروح { ماء } علم اليقين { ليطهركم به } من خبث أحاديث النفس وهواجس الوهم { ويُذْهب عنكم رجز } وسوسة { الشيطان } وتخويفه { وليربط على قلوبكم } أي: ليقوي قلوبكم بقوة اليقين ويسكن جأشكم { ويثبت به الأقدام } إذ الشجاعة وثبات القدم في المخاوف والمهالك لا تكون إلا بقوة اليقين.

{ إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم } أي: يمدّ الملكوت بالجبروت فيعلموا من عالم الجبروت أن الله ناصرهم { فثبتوا الذين آمنوا } بالتأييد الاتصالي { سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب } لانقطاعهم عن الإمداد السماوي والتأييد الإلهي واستيلاء الشك وقوّة الوهم عليهم { فاضْربوا فوقَ الأعْنَاق } أي: ثبتوهم بتلقين هذا المعنى، وشجعوهم بإلقاء هذا القول عليهم أو بإراءتهم هذا الفعل منكم كما هو المروي.

{ فلمْ تَقْتلوهم } أدّبهم وهداهم إلى فناء الأفعال بسلب الأفعال عنهم وإثباتها لله تعالى. ولما كان النبي عليه الصلاة والسلام في مقام البقاء بالحق نسب الفعل إليه بقوله: { إذ رميت } مع سلبه عنه بما رميت وإثباته لله بقوله: { ولكن الله رمى } ليفيد معنى التفصيل في عين الجمع، فيكون الرامي محمداً بالله تعالى لا بنفسه، وما نسب إليهم من الفعل شيئاً إذ لو فعلوا لفعلوا بأنفسهم { وليبلي المؤمنين منه بلاء حسناً } أي: عطاء جميلاً هو توحيد الأفعال فعل ذلك { إنّ الله سميع } بأحاديث نفوسكم، أنّا قتلناهم { عليم } بأنه هو القاتل وإن أظهر الفعل على مظاهركم { ولا تولوا عنه وأنتم تَسْمَعون } اي: لا تعرضوا عنه مع السماع لأنّ أثر السماع الفهم والتصديق، وأثر الفهم الإرادة، وأثر الإرادة الطاعة، فلا يصح دعوى السماع مع الإعراض إذ هما لا يجتمعان، فلازموا الطاعة بالإرادة إن كنتم صادقين في دعوى السماع { ولا تكونوا كالذين } يدعون السماع وليسوا منه في شيء لكونهم محجوبين عن الفهم والقبول كالدواب، بل هم شرّ الدواب عند الله، لما مرّ.

{ ولو علم الله فيهم خيراً } وصلاحاً، أي: استعداداً لقبول كمال سمعهم حتى فهموا وقبلوا وأطاعوا { ولو أسمعهم } مع عدم الخير فيهم حتى فهموا لما كان لفهمهم أثر من الإرادة والطاعة، بل توّلوا سريعاً لكون ذلك الفهم فيهم أمراً عارضياً سريع الزوال لا ذاتياً { وهم معرضون } بالذات، فلا يلبث فيهم الفهم والإرادة كما قال أمير المؤمنين رضي الله عنه: " خذ الحكمة ولو من أهل النفاق، فإنّ الحكمة لتتلجلج في صدر المنافق حتى تسكن إلى صواحبها في صدر المؤمن " ، أي: لا تثبت في صدره لكونها عارضية هناك لا تناسب ذاته.