Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير تفسير القرآن / ابن عربي (ت 638 هـ) مصنف و مدقق


{ لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ ٱلنَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّا نَصَارَىٰ ذٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ } * { وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَى ٱلرَّسُولِ تَرَىۤ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ ٱلْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَآ آمَنَّا فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّاهِدِينَ } * { وَمَا لَنَا لاَ نُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَمَا جَآءَنَا مِنَ ٱلْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَن يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلصَّالِحِينَ } * { فَأَثَابَهُمُ ٱللَّهُ بِمَا قَالُواْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذٰلِكَ جَزَآءُ ٱلْمُحْسِنِينَ } * { وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَٰتِنَآ أُوْلَـۤئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلْجَحِيمِ }

{ لتجدنّ } إلى آخره، الموالاة والمعاداة إنما يكونان بحسب المناسبة والمخالفة، فكل من والى أحداً دلّ على رابطة جنسية بينهما، وكل من عاداه دلّ على مباينة ومضادّة بينهما. ولما كان اليهود محجوبين عن الذات والصفات ولم يكن لهم إلا توحيد الأفعال كانت مناسبتهم مع المحجوبين المشركين مطلقاً أقوى من مناسبتهم مع المؤمنين الموحدين مطلقاً. ولما كان النصارى برزوا من حجاب الصفات ولم يتولهم إلا حجاب الذات كانت مناسبتهم مع المؤمنين أقوى، فلذلك كانوا أقرب مودّة لهم من غيرهم. والمشركون واليهود أشدّ عداوة لقوّة حجابهم، أما ترى كيف علل قربهم في المودة بعلمهم وعبادتهم وعدم استكبارهم؟، فإن العبادة توصل إلى جنة الأفعال لتجرّدهم فيها عن أفعال نفوسهم فاعلين ما أمر الله، والعلم يوصل إلى جنة الصفات لتنزّههم به عن جنة النفوس والوصول إلى مقام القلب الذي هو محل المكاشفة وقبول العلم الإلهي، وعدم الاستكبار يدل على أنهم ما رأوا نفوسهم موصوفة بصفات العبادة والعلم ولا نسبوا فعلهم وعلمهم إليها بل إلى الله وإلا استكبروا وأظهروا العجب.

{ ترى أعينهم تفيض من الدمع } شوقاً إلى ما عرفوا من توحيد الذات لأنهم كانوا أهل رياضة وذوق فهاجت نفوسهم بسماع الوحي وذكروا الوحدة { مما عرفوا من الحق } بصفاته أو سمعوا من الحق كلامه، فبكوا اشتياقاً كما قال:

ويبكي إن نأوا شوقاً إليهم   ويبكي إن دنوا خوف الفراق
{ آمنا } بالتوحيد الذاتي إيماناً عينياً فاجعلنا من { الشاهدين } الحاضرين الذين مقامهم الشهود الذاتي واليقين الحقيّ، وإيماناً علمياً يقينياً فاجعلنا مع المعاينين { وما لنا لا نؤمن } إيماناً حقيقياً بذاته وما جاءنا من كلامه أو لا نؤمن بالله جمعاً { وما جاءنا من الحق } تفصيلاً { مع القوم الصالحين } الذي استقاموا بالبقاء بعد { جنات تجري من تحتها الأنهار } من التجليات الثلاث مع علومها { وذلك جزاء المحسنين } المشاهدين للوحدة في عين الكثرة بالاستقامة في الله.

{ والذين } حجبوا عن الذات { وكذّبوا } بآيات الصفات { أولئك أصحاب } الحرمان الكليّ في جحيم صفات النفوس.