Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير تفسير القرآن / ابن عربي (ت 638 هـ) مصنف و مدقق


{ مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ فِيهَآ أَنْهَارٌ مِّن مَّآءٍ غَيْرِ ءَاسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي ٱلنَّارِ وَسُقُواْ مَآءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَآءَهُمْ } * { وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّىٰ إِذَا خَرَجُواْ مِنْ عِندِكَ قَالُواْ لِلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفاً أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَٱتَّبَعُوۤاْ أَهْوَآءَهُمْ } * { وَٱلَّذِينَ ٱهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ } * { فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ ٱلسَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَآءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّىٰ لَهُمْ إِذَا جَآءَتْهُمْ ذِكْرَٰهُمْ }

{ مثل الجنّة } أي: صفة الجنة المطلقة المتناولة للجنان كلها { التي وعَدَ المتّقون } من الأصناف الخمسة المذكورة غير مرة { فيها أنهار من ماء غير آسن } أي: أصناف من العلوم والمعارف الحقيقية التي تحيا بها القلوب وتروى بها الغرائز كما تحيا بالماء الأرض وتروي الأحياء. { غير آسن } غير متغيِّر بشوائب الوهميات والتشكيكات واختلاف الاعتقادات الفاسدة والعادات وهي للمتقين المجتبين من الصفات النفسانية الواصلين إلى مقام القلب { وأنهار من لبن لم يتغير طعمه } أي: من علوم نافعة متعلقة بالأفعال والأخلاق مخصوصة بالناقصين المستعدّين الصالحين للرياضة والسلوك في منازل النفس قبل الوصول إلى مقام القلب الاتّقاء عن المعاصي والرذائل كعلوم الشرائع والحكمة العملية التي هي بمثابة اللبن المخصوص بالأطفال الناقصين، { لم يتغير طعمه } بشوب الأهواء والبدع واختلافات أهل المذاهب وتعصبات أهل الملل والنحل { وأنهار من خمر } أي: أصناف من محبة الصفات والذات { لذّة } أي: لذيذة { للشاربين } الكاملين البالغين إلى مقام مشاهدة حسن تجليات الصفات وشهود جمال الذات، العاشقين المشتاقين إلى الجمال المطلق في مقام الروح والاستغراق في عين الجمع من المتّقين عن صفاتهم وذواتهم { وأنهار من عسل } أي: حلاوات الواردات القدسية والبوارق النورية واللذات الوجدانية في الأحوال والمقامات للسالكين الواجدين للأذواق والمريدين المتوجهين إلى الكمال قبل الوصول إلى مقام المحبة من الذين اتّقوا الفضول، فإن الآكلين للعسل أكثر من الشاربين للخمر، وليس كل من ذاق حلاوة العسل ذاق لذّة الخمر دون العكس { ولهم فيها من كل الثمرات } أي: أنواع اللذات من تجليات الأفعال والصفات والذات بأسرها كما قال الشاعر:

وكل لذيذة قد نلت منه   سوى ملذوذ وجدي بالعذاب
لأن شهود المعذب وتجلي صفات القهر له لذة خاصة بمن ذاقها يعرفها من يعرفها وينكرها من ينكرها { ومَغْفرة من ربّهم } بستر هيئات المعاصي وتكفير سيئات الرذائل لأصحاب الألبان ثم بستر الأفعال أيضاً لأصحاب المياه، ثم بمحو الصفات لأصحاب العسل وبعض أصحاب الخمر، ثم بطمس ذنوب الأحوال والمقامات وإفناء البقيات وإخفاء ظهورها بالأنوار والتجليات لأهل الفواكه والثمرات ثم بإفناء الذات بالاستغراق في جمع الأحدية والاستهلاك في عين الهوية لشراب الخمور الصرفة وكلهم أصناف المتّقين { كمن هو خالد } كمن هو في مقابلتهم في دركات جحيم الطبيعة وشرب حميم الهوى.