Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير تفسير القرآن / ابن عربي (ت 638 هـ) مصنف و مدقق


{ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ إِنَّنَآ آمَنَّا فَٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ } * { ٱلصَّابِرِينَ وَٱلصَّادِقِينَ وَٱلْقَانِتِينَ وَٱلْمُنْفِقِينَ وَٱلْمُسْتَغْفِرِينَ بِٱلأَسْحَارِ } * { شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَٱلْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ ٱلْعِلْمِ قَآئِمَاً بِٱلْقِسْطِ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ } * { إِنَّ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلاَمُ وَمَا ٱخْتَلَفَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ } * { فَإنْ حَآجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ للَّهِ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِ وَقُلْ لِّلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ ٱهْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلَٰغُ وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِٱلْعِبَادِ } * { إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ وَيَقْتُلُونَ ٱلنَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ ٱلَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِٱلْقِسْطِ مِنَ ٱلنَّاسِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } * { أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ } * { أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ ٱلْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَىٰ كِتَابِ ٱللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ وَهُمْ مُّعْرِضُونَ } * { ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ } * { فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ }

{ الذين يقولون ربنا إننا آمنا } بأنوار أفعالك وصفاتك { فاغفر لنا ذنوبنا } أي: ذنوب وجوداتنا بذاتك { وقِنَا عَذَاب النّار } أي: نار الهجران ووجود البقية { الصابرين } على غصص المجاهدة والرياضة { والصادقين } في المحبة والإرادة { والقانتين } في السلوك إليه وفيه { والمُنفِقين } ما عداه من أموالهم وأفعالهم وصفاتهم ونفوسهم وذواتهم { والمستغفرين } عن ذنوب تلويناتهم وبقياتهم في أسحار أيام التجليات النورية عند طلوع طوالع الأنوار، وظهور تباشير صبح يوم القيامة الكبرى بالأفق الأعلى، فأجابهم وقت طلوع شمس الذات من مغرب وجودهم، فلم يبق مغرباً بقوله { شهد الله أنّه لا إله إلاّ هو } طلع الوجه الباقي، فشهد بذاته في مقام الجمع على وحدانيته، إذ لم يبق شاهد ولا مشهود غيره. ثم رجع إلى مقام التفصيل فشهد بنفسه مع غيره على وحدانيته في ذلك المشهد فقال: { والملائكة وأولو العلم قائماً بالقِسْط } أي: مقيماً للعدل في تفاصيل مظاهره، وصور كثرتها الذي هو ظلّ الوحدة في غير الجمع بإعطاء كلّ ذي حقّ بحسب استعداده واستحقاقه حقّه من جوده وكماله وتجليه فيه على قدر سعة وعائه { لا إله إلا هو } في المشهدين { العزيز } القاهر الذي يقهر كل شيء باعتبار الجمع فلا يصل إليه أحد { الحكيم } الذي يدبر بحكمته كل شيء، فيعطيه ما يليق به باعتبار التفصيل.

{ إنّ الدين عند الله } هو هذا التوحيد الذي قرّره بنفسه. فإنّ دينه دين إسلام الوجوه كما قال إبراهيم صلى الله عليه وسلم: " أسلمت وجهي لله " أي: نفسي وجملتي، وانخلعت عن أنانيتي، ففنيت فيه. وأمر الله تعالى حبيبه عليه الصلاة والسلام فيما بعد بقوله: { فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتّبعن }.

{ إنّ الذين يَكْفرون بآياتِ الله } أي: المحجوبين عن الدين { ويقتلون النبيين بغير حقّ } لكونهم محجوبين بدينهم لا يقبلون إلا ما هم عليه من التقيد والتقليد، والأنبياء دعوهم إلى التوحيد ومنعوهم عن التقيد فقتلوهم { ويَقْتلون الذين يَأْمرون بالقِسْط من الناس } من أتباعهم، إذ العدل ظلّ التوحيد، فمن لم يكمل له لا يمكنه العدل، وهم قد حجبوا بتقييدهم بدينهم، فقد حجبوا بظلمهم عن العدل فخالفوهم وقتلوهم.

{ أولئك الذينَ حَبطت أعمَالهم } التي عملوها على دين نبيهم، لأنهم كانوا بتقليد نبيهم ناجين بالمتابعة، وأنبياؤهم كانوا شفعاءهم بتوسطهم بينهم وبين الله في وصول الفيض إليهم، فإذا أنكروا النبيين وأتباعهم العادلين فقد خالفوا نبيّهم لأن الأنبياء كلهم على ملّة واحدة في الحقيقة هي ملّة التوحيد، لا نفرّق بين أحد منهم في كونهم على الحقّ فمن خالف واحداً فقد خالف الكلّ، وكذا من خالف أهل العدل من أتباع النبيين فقد ظلم، ومن ظلم فقد خرج بظلمه عن المتابعة وأيضاً فمنكر الاتباع منكر المتبوعين، ومنكر الظلّ منكر الذات خارج عن نورها. وإذا خالفوا نبيّهم لم يبق بينهم وبينه من الوصلة والمناسبة ما تمكن به الاستفاضة من نوره، فحجبوا عن نوره وكانت أعمالهم منوّرة بنوره لأجل المتابعة، لا نور ذاتيّ لها، إذ لم تكن صادرة عن يقين، فإذا زال نورها العارضي باحتجابهم عن نبيهم فقد أظلمت وصارت كسائر السيئات من صفات النفس الأمّارة، وفيه ما سمعت غير مرّة من قتل كفار قوي النفس الأمّارة أنبياء القلوب والآمرين بالقسط من القوى الروحانية.