Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير تفسير القرآن / ابن عربي (ت 638 هـ) مصنف و مدقق


{ وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ ٱلْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ } * { وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ أَفإِنْ مَّاتَ أَوْ قُتِلَ ٱنْقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ ٱللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي ٱللَّهُ ٱلشَّاكِرِينَ }

{ ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه } الآية، كل موقن إذا لم يكن يقينه ملكة بل كان خطرات، فهو في بعض أحواله يتمنى أموراً ويدعي أحوالاً بحسب نفسه دائماً، وكذلك حال غير اليقين وعند إقبال القلب هو صادق ما دام موصوفاً بحاله. أما في غير تلك الحالة، وعند الإدبار، فلا يبقى من ذلك أثر وكذا كل من لم يشاهد حالاً ولم يمارسه، ربما يتمناه لتصوّره في نفسه وعدم تضرّره به حال التصور. أما في حال وقوعه وابتلائه فلا يطيق تحمل شدائده كما حكي عن سمنون المحبّ رحمه الله لما قال في أبياته:

فكيفما شئت فاختبرني   
فابتلي بالأسر، فلم يطق، فكان يتردّد في الطرق ويرضخ إلى الصبيان ما يلعبون به كالجوز، ويقول: ادعوا على عمكم الكذاب. وفي هذا المعنى قال الشاعر:

وإذا ما خلا الجبان بأرض   طلب الطعن وحده والنزالا
فلا يلتفت بحال إلا إذا صار مقاماً، ولا يعتبر مقاماً إلا إذا امتحن في مواطنه، فإذا خلص من الامتحان فقد صح وهذا أحد فوائد مداولة الأيام بينهم ليتمرّنوا بالموت ويتقوّى يقينهم ويتوفر صبرهم ويتحقق مقامهم بالمشاهدة كما قال: { فقد رأيتموه } من قتل إخوانكم بين أيديكم { وأنتم } تشاهدون ذلك. وفيه توبيخ لهم على أنّ يقينهم كان حالاً لا مقاماً، ففشلوا في الموطن.

{ وما محمد إلا رسول } أي: إنه رسول بشر، سيموت أو يقتل كحال الأنبياء قبله، فمن كان على يقين من دينه فبصيرة من ربّه لا يرتد بموت الرسول وقتله، ولا يفتر عما كان عليه، لأنه يجاهد لربّه لا للرسول كأصحاب الأنبياء السالفين. وكما قال أنس عم أنس بن مالك يوم أُحد حين أُرجف بقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم وشاع الخبر، وانهزم المسلمون، وبلغ إليه تقاول بعضهم: ليت فلاناً يأخذ لنا أماناً من أبي سفيان. وقول المنافقين: لو كان نبيّاً ما قُتِلَ!، يا قوم، إن كان محمد قد قُتِل فإنّ ربّ محمد حيّ لا يموت!، وما تصنعون بالحياة بعد رسول الله؟ فقاتلوا على ما قاتل عليه، وموتوا على ما مات عليه. ثم قال: اللهمّ إني أعتذر إليك مما يقول هؤلاء، وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء. ثم شدّ بسيفه وقاتل حتى قُتِل. { ومن يَنْقلب على عَقبيه فلن يضرّ الله شيئاً } إنما ضرّ نفسه بنفاقه وضعف يقينه { وسيجزي الله الشاكرين } لنعمة الإسلام، كأنس بن النضر وأضرابه من الموقنين.