Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير تفسير القرآن / ابن عربي (ت 638 هـ) مصنف و مدقق


{ قَالَ نَكِّرُواْ لَهَا عَرْشَهَا نَنظُرْ أَتَهْتَدِيۤ أَمْ تَكُونُ مِنَ ٱلَّذِينَ لاَ يَهْتَدُونَ } * { فَلَمَّا جَآءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا ٱلْعِلْمَ مِن قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ } * { وَصَدَّهَا مَا كَانَت تَّعْبُدُ مِن دُونِ ٱللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِن قَوْمٍ كَافِرِينَ } * { قِيلَ لَهَا ٱدْخُلِي ٱلصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُّمَرَّدٌ مِّن قَوارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ }

{ نكروا لها عرشها } بتغيير العادات وترك المذمومات، ونهك القوى الطبيعية بالرياضات، وتنكيسه بجعل ما كان أعلى رتبة منه عندها وهي الهيئات البدنية وراحات البدن ولذاته، وما كان في جهة الإفراط من الأكل والشرب والنوم وأمثالها، والقوى الطبيعية المستعلية أسفل، وما كان أسفل من أنواع التعب والرياضة والتقليل والسهر، وكل ما مال إلى التفريط من الأمور البدنية والقوى الروحانية المستضعفة أعلى { ننظر أتهتدي } إلى الفضائل وطرق الكمالات بالرياضة لنجاة جوهرها وشرف أصلها وحسن استعدادها وقبولها { أم تكون من الذين لا يهتدون } إليها لعكس ما ذكر.

{ فلما جاءت } مترقية إلى مقام القلب متنوّرة بأنواره، متخلّقة بأخلاقه، منقادة مستسلمة بجنودها { قيل أهكذا عرشك } أي: على هذه الصورة المغيرة عرشك أم على الصورة الأولى؟ أي: أهذا صورته المستوية التي ينبغي أن يكون عليها أم تلك، وتلك منكوسة أم هذه { قالت كأنه هو } أي: كأنّ هذا بالنسبة إلى حالي هو بالنسبة إلى الحالة الأولى، أي: إذا كنت متوجهة إلى جهة السفل كان عرشي على تلك الصورة مطابقاً لحالي { وأوتينا العلم } من قبل هذه الحالة، أي: أوتيناه في الأزل عند ميثاق الفطرة { وكنا } منقادين قبل هذه النشأة إلا أننا نسينا فتذكرنا الساعة { وصدّها ما كانت تعبد } من شمس عقل المعاش بصرفها إلى التوحيد { إنها كانت من قوم } محجوبين عن الحق { قيل لها ادخلي الصرح } أي: مقام الصدر الذي هو صرح ممرّد مملس عن تقابل الأضداد وتخالف الطباع مستوياً بالتجرّد عن الموادّ من قوارير أنوار القلب الصافي المشبّه بالزجاجة في الصفاء والتنوّر { فلما رأته حسبته لجة } بحر الوحدة لكونه غاية رتبتها في التجرّد والترقي ونهاية كمالها في التداني والتلقي، ولا يتجاوز نظرها إلى أعلى منه وكل ما لا يمكن فوقه من الكمال لشيء فيه نهايته في التوحيد ومعظم ما يستغرق فيه من جمال المعبود والمطلوب { وكشفت عن ساقيها } يعني: جرّدت جهتها السفلية التي تلي البدن وتسعى بها فيه المنقسمة إلى القوة الغضبية والشهوية عن الغواشي البدنية والملابس الهيولانية بقطع التعلقات لكن كان عليها شعر الهيئات الباقية من أعمالها والآثار المسودة من كدوراتها، ومن هذا قيل: يدخل سليمان الجنة بعد الأنبياء بخمسمائة خريف ويحبو حبواً { ظلمت نفسي } بالاحتجاب واتخاذ العقل المشوب بالوهم، المشرّب بالهوى، إلهاً ومعبوداً { وأسلمت } بالانقياد لأمر الحق والانخراط في سلك التوحيد { مع سليمان لله ربّ العالمين } وعلى تأويل العرش بالبدن يستقيم هذا أيضاً ويتجه وجه آخر وهو أن يراد أنها كانت محجوبة بمعقولها ما بقي عرشها، وما انقادت لسليمان القلب إلا في النشأة الثانية، فعلى هذا يكون { الذي عنده علم من الكتاب } هو العقل الفعّال وإيتاؤه به قبل ارتداد الطرف إيجاد البدن الثاني في آن واحد، ومعنى: { قبل أن يأتوني مسلمين } تقدّم مادة البدن على تعلق النفس به. وقال ابن الأعرابي رحمه الله: إن الإتيان كان بإفنائه ثمة وإيجاده بحضرة سليمان والتنكير تغيير الصورة. ومعنى: كأنه هو أنه يشابه صورته، والصرح هو مادة البدن الثاني، فيكون دخول الصرح على هذا مقدّماً على تنكير الصورة، وكشف الساقين قطع تعلق البدن الأول دون زوال الهيئات البدنية التي هي بمثابة الشعر، وهذا بناء على أن النفوس المحجوبة الناقصة لا بد لها من التعلق والله أعلم.