Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير تفسير القرآن / ابن عربي (ت 638 هـ) مصنف و مدقق


{ فَحَمَلَتْهُ فَٱنْتَبَذَتْ بِهِ مَكَاناً قَصِيّاً } * { فَأَجَآءَهَا ٱلْمَخَاضُ إِلَىٰ جِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ قَالَتْ يٰلَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَـٰذَا وَكُنتُ نَسْياً مَّنسِيّاً } * { فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَآ أَلاَّ تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً } * { وَهُزِّىۤ إِلَيْكِ بِجِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً } * { فَكُلِي وَٱشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ ٱلبَشَرِ أَحَداً فَقُولِيۤ إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَـٰنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ ٱلْيَوْمَ إِنسِيّاً }

واتصال روح عيسى بالنطفة إنما يكون بعد حصول النطفة في الرحم واستقرارها فيه ريثما تمتزج وتتحد وتقبل مزاجاً صالحاً لقبول الروح { فانتبذت به } أي: معه { مكاناً قصيّاً } أي: بعيداً من المكان الأول الشرقي لأنها وقعت به في المكان الغربي الذي هو عالم الطبيعة والأفق الجسماني، ولهذا قال: { فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة } نخلة النفس { فنادها من تحتها } أي: ناداها جبريل من الجهة السفلية بالنسبة إلى مقامها من القلب، أي: من عالم الطبيعة الذي كان حزنها من جهته وهو الحمل الذي هو سبب تشوّرها وافتضاحها { ألاّ تحزني قد جعل ربّك تحتك سرياً } أي: جدولاً من غرائب العلم الطبيعي وعلم توحيد الأفعال الذي خصك الله بها واصطفاك كما رأيت من تولد الجنين من نطفتك وحدها.

{ وهزي إليك بجذع } نخلة نفسك التي بسقت في سماء الروح باتصالك بروح القدس، واخضرّت بالحياة الحقيقية بعد يبسها بالرياضة وجفافها بالحرمان عن ماء الهوى وحياته، وأثمرت المعارف والمعاني، أي: حركيها بالفكر { تُسَاقِط عليك } من ثمرات المعارف والحقائق { رطباً جنياً فكلي } أي: من فوقك رطب الحقائق والمعارف الإلهية وعلم تجليات الصفات والمواهب والأحوال { واشربي } من تحتك ماء العلم الطبيعي وبدائع الصنع وغرائب الأفعال الإلهية وعلم التوكل وتجليات الأفعال والأخلاق والمكاسب، كما قال تعالى:لأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم } [المائدة، الآية: 66] { وقرّي عيناً } بالكمال والولد المبارك الموجود بالقدرة، الموهوب بالعناية { فإمّا ترين من البشر أحداً } أي: من أهل الظاهر المحجوبين عن الحقائق بظواهر الأسباب وبالصنع والحكمة عن الإبداع والقدرة التي لا يفهمون قولك ولا يصدّقون بك وبحالك لوقوفهم مع العادة، واحتجابهم بالعقول المشوبة بالوهم المحجوبة عن نور الحق { فقولي إني نذرت للرحمن صوماً } أي: لا تكلميهم في أمرك شيئاً ولا تماديهم فيما لا يمكنهم قبوله حتى ينطق هو بحاله.