Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير تفسير القرآن / ابن عربي (ت 638 هـ) مصنف و مدقق


{ وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً } * { ٱقْرَأْ كِتَٰبَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ ٱلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً } * { مَّنِ ٱهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً } * { وَإِذَآ أَرَدْنَآ أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا ٱلْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً } * { وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ ٱلْقُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرَاً بَصِيراً }

{ وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه } أي: جعلنا سعادته وشقاوته وسبب خيره وشره لازماً لذاته لزوم الطوق في العنق، كما قال: " السعيد من سعد في بطن أمه والشقيّ من شقى في بطن أمه ". { ونخرج له يَوْم القيامة } الصغرى عند الخروج من قبر جسده { كتاباً } هيكلاً مصوراً بصور أعماله مقلّداً في عنقه { يلقاه } للزومه إياه { منشوراً } لظهور تلك الهيئات فيه بالفعل مفصلة لا مطوياً كما كان عند كونها فيه بالقوة، يقال له: { اقرأ كتابك } أي: اقرأه قراءة المأمور الممتثل لأمر آمر مطاع يأمره بالقراءة، أو تأمره القوى الملكوتية سواء كان قارئاً أو غير قارئ، لأن الأعمال هناك ممثلة بهيئاتها وصورها يعرفها كل أحد لا على سبيل الكتابة بالحروف فلا يعرفها الأميّ { كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً } لأن نفسه تشاهد ما فعلته لازماً إياها نصب عينها مفصلاً لا يمكنها الإنكار، فبين لها غيرها { ولا تزر وازرة وِزْرَ أخرى } لرسوخ هيئة ما فعلته فيها وصيرورتها ملكة لازمة دون الذي فعل غيرها، ولم يعرض لها منه شيء، وإنما يتعذب من يتعذب بالهيئات التي فيه لا من خارج.

{ وما كنَّا مُعَذبين حتى نَبْعث رسولاً } رسول العقل بإلزام الحجة وتمييز الحق والباطل. ألا ترى أن الصبي والسفيه غير مكلفين؟، أو رسول الشرع لظهور ما في الاستعداد من الخير والشرّ والسعادة والشقاوة بسببه ومقابلته بالإقرار والإنكار، فإن المستعد للكمال يتحرك ما فيه بالقوة عند سماع الدعوة فيشتاق ويطلب متلقياً لها بالإقرار والقبول لما يدعوه إليه لمناسبته إياه وقربه وغير المستعد ينكر ويعاند لمنافاته لما يدعوه إليه ويعده.

{ وإذا أردنا أن نهلك قرية } الخ، إنّ لكل شيء من الدنيا زوالاً وزواله بحصول استعداد يقتضي ذلك. وكما أن زوال البدن بزوال الاعتدال وحصول انحراف يبعده عن ظل الوحدة التي هي سبب بقاء كل شيء وثباته فكذلك هلاك المدينة وزوالها بحدوث انحراف فيها عن الجادة المستقيمة التي هي صراط الله وهي الشريعة الحافظة للنظام، فإذا جاء وقت إهلاك قرية فلا بد من استحقاقها للإهلاك، وذلك بالفسق والخروج عن طاعة الله فلما تعلقت إرادته بإهلاكها تقدّمه أولاً بالضرورة فسق مترفيها من أصحاب الترف والنِعَم بطراً وأشراً بنعمة الله واستعمالاً لها فيما لا ينبغي وذلك بأمر من الله وقدر منه لشقاوة كانت تلزم استعداداتهم وحينئذ وجب إهلاكهم.