Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير تفسير القرآن / ابن عربي (ت 638 هـ) مصنف و مدقق


{ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ } * { إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَٱتَّبَعُوۤاْ أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَآ أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ } * { يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ ٱلنَّارَ وَبِئْسَ ٱلْوِرْدُ ٱلْمَوْرُودُ } * { وَأُتْبِعُواْ فِي هَـٰذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ بِئْسَ ٱلرِّفْدُ ٱلْمَرْفُودُ } * { ذَلِكَ مِنْ أَنْبَآءِ ٱلْقُرَىٰ نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَآئِمٌ وَحَصِيدٌ } * { وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَـٰكِن ظَلَمُوۤاْ أَنفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ ٱلَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ لَّمَّا جَآءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ } * { وَكَذٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ ٱلْقُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ } * { إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَةً لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ ٱلآخِرَةِ ذٰلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ ٱلنَّاسُ وَذَٰلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ } * { وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلاَّ لأَجَلٍ مَّعْدُودٍ } * { يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ } * { فَأَمَّا ٱلَّذِينَ شَقُواْ فَفِي ٱلنَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ } * { خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ } * { وَأَمَّا ٱلَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِي ٱلْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ عَطَآءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ } * { فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّمَّا يَعْبُدُ هَـٰؤُلاۤءِ مَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُم مِّن قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنقُوصٍ } * { وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ ٱلْكِتَابَ فَٱخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ } * { وَإِنَّ كُـلاًّ لَّمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ }

{ فمنهم شقي وسعيدٌ } لما أطلق الشقي والسعيد منكرين للتعظيم دل على الشقي والسعيد الأزليين الأبديين، ولما وصفهم في التقسيم التفصيلي استثنى عن خلود الشقي في النار وخلود السعيد في الجنة بقوله: { إلا ما شَاءَ ربك } لأن المراد بالنار والجنة عذاب النفس بنار الحرمان عن المراد وآلام الهيئات والآثار وثواب النفس بجنة حصول المرادات واللذات وبالاستثناء عن الخلود فيهما خروج الشقيّ منها إلى ما هو أشدّ منه من نيران القلب في حجب الصفات والأفعال بالسخط والطرد والإذلال والإهانة، ونيران الروح بالحجب واللعن والقهر وخروج السعيد منها إلى ما هو ألذّ وأطيب من جنان القلب في مقام تجليات الصفات بالرضوان واللطف والإكرام والإعزاز وجنان الروح في مقام الشهود باللقاء وظهور سبحات الجلال، وما لا عين رأت، ولا أُذن سَمِعت، ولا خطر على قلب بشر، لكون الشقيّ في مقابلة السعيد وخروج السعيد من الجنة إلى النار محال، وقد دلّ عليه بقوله: { عَطَاء غير مَجْذُوذ } أي: غير مقطوع، فكذا ما يقابله على أن قوله تعالى: { فعال لما يريد } يشعر بذلك لكونه وعيداً شديداً. هذا لسان الأدب ومراعاة الظواهر في تحقيق البواطن، وأما الحقيقة فتحكم بأن الشقي لما كان في المراتب المذكورة في النار لم يخرج منها بل انتقل من طبقة منها إلى طبقة أخرى ومن دركة إلى دركة فكان في حكم الخلود فالمراد بالاستثناء غيره وهو أنه من حيث الأحدية مع ربّه والربّ آخذ بناصيته على صراط مستقيم يقوده ريح الدبور - التي هي هوى نفسه - يسوقه إلى جهنم، فهو هنالك في عين القرب مع هوى نفسه فيتلذذ بما يوافقه فتصير عين النعيم، فزال مسمى النار في حقه وصار جنة لتلذذه به وإن كان بعيداً عن نعيم السعيد كما جاء في الحديث: " سينبت في قعر جهنم الجرجير " وفيه: " يأتي على جهنم زمان يصفق أبوابها ليس فيها أحد " وكذا السعيد، فإن انتقاله في الجنان ودرجاتها والخروج بحكم الاستثناء غير ذلك فهو بفنائه في أحدية الذات واحتراقه بلوعة العشق في سبحات الجمال حيث كان الحق شاهداً ومشهوداً لا في مقام المشاهدة بوجود الروح بل بالشهود الذاتي الأحدي الذي لم يبق فيه لغيره عين ولا أثر ولا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. وإن جعل التنكير في قوله: { شقي وسعيد } للنوعية لا للتعظيم، جاز تأويل خروج الشقي من الناء بالترقي إلى الجنة من مقامه بزكاء نفسه عن الهيئات المظلمة وتبعات المعاصي وحينئذ لا يكون شقيّ الأبد.