الرئيسية - التفاسير


* تفسير تفسير القرآن / ابن عربي (ت 638 هـ) مصنف و مدقق


{ فَلَمَّآ أَنجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ مَّتَاعَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا ثُمَّ إِلَينَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } * { إِنَّمَا مَثَلُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا كَمَآءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَٱخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ ٱلأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ ٱلنَّاسُ وَٱلأَنْعَامُ حَتَّىٰ إِذَآ أَخَذَتِ ٱلأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَٱزَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَآ أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَآ أَتَاهَآ أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِٱلأَمْسِ كَذٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } * { وَٱللَّهُ يَدْعُوۤاْ إِلَىٰ دَارِ ٱلسَّلاَمِ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ }

{ إنما بغْيكم على أنفسكم } إلى آخره، البغي ضدّ العدل، فكما أن العدل فضيلة شاملة لجميع الفضائل وهيئة وجدانية لها فائضة من نور الوحدة على النفس فالبغي لا يكون إلا عن غاية الانهماك في الرذائل بحيث يستلزمها جميعاً فصاحبها في غاية البعد عن الحق ونهاية الظلمة كما قال: " الظلم ظلمات يوم القيامة " فلهذا قال: { على أنفسكم } ، لا على المظلوم لأن المظلوم سعد به وشقى الظالم غاية الشقاء وهو ليس إلا متاع الحياة الدنيا إذ جميع الإفراطات والتفريطات المقابلة للعدالة تمتعات طبيعية ولذات حيوانية تنقضي بانقضاء الحياة الحسيّة التي مثلها في سرعة الزوال وقلّة البقاء هذا المثل الذي مثل به من تزين الأرض بزخرفها من ماء المطر ثم فسادها ببعض الآفات سريعاً قبل الانتفاع بنباتها ثم تتبعها الشقاوة الأبدية والعذاب الأليم الدائم. وفي الحديث: أسرع الخير ثواباً صلة الرحم، وأعجل الشر عقاباً البغي واليمين الفاجرة، لأن صاحبه تتراكم عليه حقوق الناس فلا تحتمل عقوبته المهل الطويل الذي يحتمله حق الله تعالى. وقد سمعت بعض المشايخ يقول: قلما يموت الظالم حتف أنفه وقلما يبلغ الفاسق أوان الشيخوخة، وذلك لمبارزتهما لله تعالى في هدم النظام المصروف عنايته تعالى إلى ضبطه ومخالفتهما إياه في حكمته وعدله. { والله يدعو إلى دار السلام } يدعو الكل إلى دار سلام العالم الروحاني الذي لا آفة فيه ولا نقص ولا فقر ولا فناء بل فيه السلامة عن كل عيب والأمان من كل خوف { ويهدي من يشاء } من جملتهم من أهل الاستعداد { إلى صراط } الوحدة.