Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير تفسير القرآن / ابن عربي (ت 638 هـ) مصنف و مدقق


{ وَلَوْ يُعَجِّلُ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ ٱلشَّرَّ ٱسْتِعْجَالَهُمْ بِٱلْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ } * { وَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَانَ ٱلضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَآئِماً فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَآ إِلَىٰ ضُرٍّ مَّسَّهُ كَذٰلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } * { وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا ٱلْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ وَجَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ كَذٰلِكَ نَجْزِي ٱلْقَوْمَ ٱلْمُجْرِمِينَ } * { ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلاَئِفَ فِي ٱلأَرْضِ مِن بَعْدِهِم لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ } * { وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا ٱئْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَـٰذَآ أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِيۤ أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَآءِ نَفْسِيۤ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَىۤ إِلَيَّ إِنِّيۤ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ } * { قُل لَّوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِّن قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } * { فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآيَـٰتِهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلْمُجْرِمُونَ } * { وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ ٱللَّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلاَ فِي ٱلأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ }

{ ولو يعجل الله للناس الشرّ } إلى آخره، لما كانت الاستعدادات مفطورة على الخير الإضافي الصوري أو المعنوي بحسب درجاتها في الأزل كان كل دعاء منها وطلب للخير بتهيئة قابليتها وتصفيتها وشوقها إليه يوجب حصول ذلك له عاجلاً وفيضانه عليه من المبدأ الفياض الذي هو منبع الخيرات والبركات كقوله تعالى:وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ } [إبراهيم، الآية: 34] وكلما فاض عليه خير باستحقاقه له لوجود تصفية وتزكية زاد استعداده بانضمام هذا الخير إليه، فصار أقوى وأقبل من الأول فيكون المبدأ تعالى أسرع إجابة له وأكثر إفاضة عليه وعلى هذا يزداد الاستعداد فيزداد الفيض حتى يبلغ مداه وهو معنى تضاعف الحسنات. ومعنى قوله:مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا } [القصص، الآية: 84]. وأما الشرور فليست إلا حجب الاستعداد وموانع القبول وحواجز الفيض، فلما حصلت ما وقع بسببها إلا عدم القبول للخيرات فمنعت فيضانها وبقي الاستعداد في حجاب ما حصل منها ليس إلا، وإن اقتضى بحسب المناسبة فيضان الشرّ فليس في فيض المبدأ ما يجانسه فلا يفيض عليه شيء من جنسه، وهذا معنى قوله تعالى:وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَىۤ إِلاَّ مِثْلَهَا } [الأنعام، الآية: 160] اللهم إلا إذا أفرط وتجاوز حدّ الرحمة وأزال الاستعداد بالكلية فناسب الشيطنة واستمدّ من عالمها، كما قال تعالى:هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَىٰ مَن تَنَزَّلُ ٱلشَّيَاطِينُ تَنَزَّلُ عَلَىٰ كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ } [الشعراء، الآيات: 221-222]، { لقضي إليهم } لقطع مدى استعدادهم فانقطع مدد الحياة الحقيقية عنهم ومدد الخير عن استعدادهم بالكلية وأُزيل إمكان التصفية منه لاقتضائه الشرّ، فلم يصل إليهم بعد ذلك خير صوري ولا معنوي ولكن يمهلهم ما بقي فيهم أدنى مسكة من استعدادهم وإمكان قبول لأدنى خير.

{ فنذر الذين لا يرجون لقاءنا } من جملتهم، أي: لا يرفعون رأساً من انهماكهم في الشرور ولا يتوقعون نوراً من أنوارنا ولا يتنبهون قط من غفلتهم بالرجوع إلينا وطلب رحمتنا { في طُغْيانهم } وتماديهم في الشرور يتحيرون وينقطع مدد الخيرات الصورية التي يسألها استعدادهم بلسان حاله عنهم حتى يزول بانغماسهم وانهماكهم في الطبيعيات نور استعدادهم بالكلية لحصول الرين ويحق الطمس، فنكسوا على رؤوسهم إلى أسفل سافلين.