Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير عرائس البيان في حقائق القرآن/ البقلي (ت 606 هـ) مصنف و مدقق مرحلة اولى


{ وَلَقَدْ أُوْحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ } * { بَلِ ٱللَّهَ فَٱعْبُدْ وَكُن مِّنَ ٱلشَّاكِرِينَ } * { وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَٱلأَرْضُ جَمِيعـاً قَبْضَـتُهُ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ وَٱلسَّمَٰوَٰتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ }

قوله تعالى { لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ } هذا من اوائل احوال النبى صلى الله عليه وسلم حين دخل فرسان اسراره فى ميادين الآزال والآباد وراى جبروتا فى جبروت وملكوتا فى ملكوت وعزا فى عز وبحرا فى بحر وسلطانا فى كبرياء وكبرياء فى عظمة فما راى للقديم الازلى اهلا من الحدثان وما راى اثراً من نفسه فى جناب الربوبية فكاد ان يخطر بقلبه انه معطل قال الله كلا { وَلَقَدْ أُوْحِيَ إِلَيْكَ } يعنى الرسالة والنبوة والانباء العجيبة ولا يشك فى مآلك فانك مكرم بسابق عنايتى واصطفائيتى الازلية ولك اخوان حل بهم ما حل بك من الاحوال السنية وغرايبات انوار العزة انظر الىَّ مما وهبت لك من تلك الكرامات ولا تنظر اليها منى فان الالتفات الى المقامات فى المكاشفات والمشاهدات شرك واذا وقفت عنى على حظك منى ليحبطن احوالك فان الكل قائم بى قال ابو العباس بن عطا اى لئن طالعت بسرك الى غيرى لتحرمن حظك من قربى وقال ابن عطا هذا شرك الملاحظة والتفات الى غيره وقال جعفر لئن نظرت الى سواه لتحرمن فى الأخرة لقاءه ثم اكد الامر عليه الحق سبحانه فى افراده عن غيره واقباله بنعت ترك ما سواه قال { بَلِ ٱللَّهَ فَٱعْبُدْ وَكُن مِّنَ ٱلشَّاكِرِينَ } اى كن خالصا لله لا لغيره فيك نصيب وكن شاكراً له بنعت ان لا ترى صنيعك فى البين شيئا واظهر عجزك فى معرفة المشكور فانه الشكر لا غير واسكن عن الشوق الى ادراك كل القديم فانه لا يدخل تحت ادراك الحوادث وهو اجل عن ان تدركه بنعته بمعنى الاحاطة وخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين فان الخلق لا يصلون الى كنه الازليات والابديات وذلك قوله { وَمَا قَدَرُواْ } كيف يقدرون حق قدره ونعوته الازلية جلت من ان تحويها الحوادث وتحيط بها الاماكن وتدركها الابصار وتفطنها الافهام والافكار والارواح محترقة فى اول بوادى انوار قدرته والعقول فانية فى لمعان بديع صنائعه والقلوب مضمحلة فى لزوم واردات تقلب قضائه وقدره علم سبحانه عجز الخليقة عن وصف جلاله وادراك كماله فانهم لا يحتملون ذرة من انوار ذاته وصفاته عند ظهور كشفها بنعت غلبة قهره على الاكوان والحدثان فاجمل القول بقوله وما قدروا الله حق قدره حيث وصفوه بنعت الانداد والاضداد ثم فصل بين بطون الافعال ولوائح انوار بعض الصفات فقال { وَٱلأَرْضُ جَمِيعـاً قَبْضَـتُهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَٱلسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ } لو وصف حقيقة نفسه بغير ذكر الاكوان والافعال لغابوا فى مهمه الاوهام وما تخلصوا ابدا من تراكم الافكار فى طلب الاسرار بل احالهم الى رؤية الفعل المحيط به صفاته اى كيف تدركون من كان قهره وعظمته فى مباشرة فناء العالم هكذا من حيث عقولكم وان السمٰوات والارضين اقل من كرة فى ميادين قهر صفاته وعندكم ان العظيم لو يكون من يقلع جبلة من الجبال فذكر فعله على حد عقولهم فلما علم ترددهم فى مماثلة افعاله ووقوع عقلهم فى اودية الاشكال ومخائيل الابعاض نزه نفسه عن ذلك فى أخر الآية كما نزه نفسه اولها فقال { سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ } اى تقدس عن أن يقيسه المتقايسون او يشير اليه المشيرون اول الاية ذكر قدم القدم لاهل الفناء فى التوحيد الذاتى واوسط الأية ذكر ظهور جلاله وجماله بنعت الالتباس فى أياته الافعال للعاشقين واخر الأية ذكر حقيقة السر الصفاتى بنعت التقديس والتنزيه وصف افراد قدمه عن الحدوث فرويه الذات لاهل الفناء ورؤية الصفات لاهل البقاء ورؤية الجمال والجلال فى الافعال لاهل العشق وكلهم معزولون عن ساحة الكبرياء بقوله سبحانه وتعالى عما يشركون قال سهل فى قوله وما قدروا الله حق قدره ما عرفوه حق معرفته فى الاصل ولا فى الفرع وقال الحسين كيف يعرف قدر من لا يقدر قدره سواه قال الواسطى لو طالعوا حق حقه فى محبتهم لعلموا العجز عن ذلك بالكلية فلم يعرف قدره من ادعى لنفسه معه مقاما قال الله وما قدروا الله حق قدره سئل الجنيد عن قوله والسماوات مطويات بيمينه فقال متى كانت منشورة حتى صارت مطوية سبحانه نفى ما يقع على العقول من طيها ونشرها اذ كل الكون كخردلة او كجناح بعوضة او اقل منها كذلك قال قوله قائم على كل نفس بالسبب كيف لا يستحيل قيامه على هذا الكون الذى لا يزن ذرة عنده بل قيامه بنفسه لنفسه.