Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير عرائس البيان في حقائق القرآن/ البقلي (ت 606 هـ) مصنف و مدقق مرحلة اولى


{ وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي ٱلزَّبُورِ مِن بَعْدِ ٱلذِّكْرِ أَنَّ ٱلأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ ٱلصَّالِحُونَ } * { إِنَّ فِي هَـٰذَا لَبَلاَغاً لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ } * { وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ }

قوله تعالى { وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي ٱلزَّبُورِ مِن بَعْدِ ٱلذِّكْرِ أَنَّ ٱلأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ ٱلصَّالِحُونَ } كان فى علم الازلية ان ارض الجنان ميراث عباده الصالحين من الزهاد والعباد والابرار والاخيار لانهم اهل الاعراض والثواب والدرجات وان مشاهدة جلال ازليته ميراث اهل معرفته ومحبته وشوقه وعشقه لانهم فى مشاهد الربوبية واهل الجنة فى مشاهد العبودية قال سهل اضافهم الى نفسه وحلاهم بحلية الصلاح معناه لا يصلح لى الا ما كان لي خالصة لا يكون لغيرى فيه أثر وهم الذين اصلحوا سريرتهم مع الله وانقطعوا بالكلية عن جميع ما دونه ثم بين سبحانه ان كلامه الازلى يبلغ الصديقين الى معادنه من رؤية الصفات والذات بقوله { إِنَّ فِي هَـٰذَا لَبَلاَغاً لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ } مشاهدين جلالنا وجمالنا بهممهم العلية وقلوبهم الحاضرة وعقولهم الصافية وارواحهم العاشقة واسرارهم الطاهرة قال سهل لم يجمع البلاغ لجميع عباده بل خصه لقوم عابدين وهم الذين عبدوا الله وبذلوا له مهجتهم لا من اجل عوض ولا لاجل نار ولا جنة بل حبا له وافتخاراً بما اهلهم من عبادتهم اياه ثم وصف الله سبحانه حبيبه محمداً صلى الله الله عليه وسلم بانه ارسله رحمة الى جميع خلقه بقوله { وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ } ايها الفهم ان الله سبحانه اخبرنا ان نور محمد صلى الله عليه وسلم اوّل ما خلقه فى الاول من جميع خلقه ثم خلق جميع الخلائق من العرش الى الثرى عن بعض نوره فإرساله من العدم الى مشاهدة القدم رحمة لجميع الخلائق اذ الجميع صدر منه فكونه كون الخلق وكونه سبب وجود الخلق وسبب رحمة الله على جميع الخلائق اذ هو سبب وجود الجميع فهو رحمة كافية وافهم ان جميع الخلائق صورة مخلوقة مطروحة فى فضاء القدرة بلا روح حقيقية منتظرة لقدوم محمد صلى الله عليه وسلم فاذا قدم فى العالم صار العالم حيا بوجوده لانه روح جميع الخلائق قال تعالى وما ارسلناك الا رحمة للعالمين ويا عاقل ان من العرش الى الثرى لم يخرج من العدم الا ناقصا من حيث الوقوف على اسرار قدمه بنعت كمال المعرفة والعلم فصاروا عاجزين عن البلوغ الى شط بحار الالوهية وسواحل قاموس الكبريائية فجاء محمد صلى الله عليه وسلم اكسير اجساد العالم وروح اشباح العالمين بحقائق علوم الازلية واوضح سبل الحق لهم بحيث يجعل سفر الازال والآباد للجميع خطوة واحدة فاذا قدم من الحضرة الى سفر الغربة بانهم جميعا بخطوة من خطوات صحارى سبحان الذى اسرى حتى وصل الى مقام دنا فغفر الحق لجميع الخلائق لمقدمه المبارك فالكافر والمؤمن والذئب والظبّى والبازى والحمام والجنة والنار والدنيا والآخرة فى حيز رحمته لانه كان رحمة ازلية ابدية قطرة من بحر رحمة الرحمن وغرفة غرفت من نهر الغفران قال ابو بكر بن طاهر زين الله تعالى محمد صلى الله عليه وسلم بزينة الرحمة وكان كونه رحمة ونظره الى من نظر اليه رحمة وسخطه ورضاه وتقريبه وتبعيده وجميع شمائله وصفاته رحمة على الخلق فمن اصابه من رحمته فهو الناجى فى الدارين عن كل مكروه والواصل فيهما الى كل محبوب الا ترى الله يقول وما ارسلناك الا رحمة للعالمين فكانت حياته رحمة ومماته رحمة كما قال النبى صلى الله عليه وسلم

السابقالتالي
2