Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير عرائس البيان في حقائق القرآن/ البقلي (ت 606 هـ) مصنف و مدقق مرحلة اولى


{ أَمَّا ٱلسَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي ٱلْبَحْرِ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَآءَهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً } * { وَأَمَّا ٱلْغُلاَمُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَآ أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَاناً وَكُفْراً } * { فَأَرَدْنَآ أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْراً مِّنْهُ زَكَـاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً } * { وَأَمَّا ٱلْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلاَمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي ٱلْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَآ أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِـع عَّلَيْهِ صَبْراً }

{ وَأَمَّا ٱلْغُلاَمُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَآ أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَاناً وَكُفْراً } عجبت من هذا الامر وان الله سبحانه كان فى الازل عالما بذلك قادرا على ان يخلقه مؤمنا ولم يطبع على قلبه الكفر حتى لا يكون ابواه بسببه كافرين لكن حكمته الازلية جارية بغير ادراك افهام الفهماء وهو لا يحتاج الى قتل الغلام بغير جرم بل هو قادر على ان يهديه الى طريق الحق حتى لا يغشى عليه وعلى ابويه ظلمة الكفر يفعل الله ما يشاء ويحكم ما يريد ظاهر الاية كأنها تنبئ ان اكتساب البشر مانع القدر كقتل الخضر الغلام يمنع صيرورة كفر ابويه والامر اعلى مما يتوهم المتوهمون فيه لان ذلك بيان وصف عين الجمع فى العالم ان الخضر كان فعل الله والغلام فعل الله والقتل فعل الله والامر امر الله والقدر قدر الله فمن حيث القدر يثبت ومن حيث الفعل يمحو ما قدّر يمحو الله ما يشاء ما قدّر فى الازل بقدر اسبق من ذلك القدر وهو علم العلم وغيب الغيب وسر السر وامر الامر ويثبت مما يشاء مما قدر الذى لم يسبق عليه قدر القدر فهو فى جميع ذلك واحد من كل الوجوه السبب صدر من المسبب، والمسبب والسبب فى عين الجمع واحد كان نظر الخضر الى القدر الظاهر ونظر موسى الى قدر القدر كان موسى احتج على الخضر بان القدر سبق على بقاء ايمان ابويه وايمان المقتول معا وان لم يكن القتل فى البين واحتج الخضر على موسى بان قتل الغلام كان ايضا مقدرا فى ازل الآزال وهو بذاته فعل الله المباشر فى امر الله فلما علا علمه بالقدر على علم موسى قال هذا فراق بينى وبينك واظن فى ذلك ان الغلام كان حسن الوجه وكان فيه نور من كسوة حسن الحق فخاف الخضر على اهل الحق ومعرفته ان ينظروا اليه ويستانسوا بما يجدون من نور الله فيه فيفقون بالوسائط عن مشاهدة الله فقتله بغير الله ورفع الوسائط من بينه وبين احبائه وانبيائه واوليائه قال بعضهم تفرس الخضر فى الغلام ما يؤول اليه عاقبته من الكفر كذلك من تفرس بنور الله لا تخطىء فراسته قوله تعالى { فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا } وقوله { فَأَرَدْنَآ أَن يُبْدِلَهُمَا } { فَأَرَادَ رَبُّكَ } هذه الارادات على صورتها مختلفة وفى الحقيقة واحدة لان الارادة بالحقيقة ارادة الله اذ الارادات صدرت بصنوفها عن ارادة الله فقوله فاردت خبر عن عين الجمع والاتحاد وقوله فاردنا خبر عن الاتصاف والانبساط وقوله فاراد ربك خبر عن افراد القدم عن الحدوث وتلاشى الحدث وفناء الموحد فى الموحد وهذه الارادة بوصفها باطن المشية وباطن المشية غيب الصفة وغيب الصفة سر الذات والذات غيب جميع الغيوب ولما تحرك من وصف الاتحاد قطعته الغيرة من محض الاتحاد الى عين الجمع وقطعته من الجمع الى الاتصاف ومن الاتصاف الى الانبساط ثم اغرقته بحر الالوهية وافنته فى لججها عن كل رؤية وعلم وارادة وفعل واشارة كان الحق بفعله نطق فى الاول والثانى والثالث ولم يبق فى البين الا الله قال ابن عطا لما قال الخضر فاردت اوحى اليه فى السر من انت حتى تكون لك ارادة فقال فى الثانية فاردنا فاوحى اليه فى السر من انت وموسى حتى تكون لكما ارادة فرجع وقال فاراد ربك وايضا قال اما قوله فاردت كان شفقة على الخلق وقوله فاردنا رحمة وقوله فاراد ربك رجوعا الى الحقيقة وقال الحسين فى قوله فاردت واردنا وأراد ربك المقام الاول استيلاء الحق والمقام الثانى مكالمة مع العبد والمقام الثالث رجوع الى باطن الغلبة فى الظاهر فصار به باطن الباطن ظاهر الظاهر وغيب الغيب عيان العيان وعيان العيان غيب الغيب كما ان القرب من الشئ بالنفوس هو البعد فالقرب منها بها هو القرب.