Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير عرائس البيان في حقائق القرآن/ البقلي (ت 606 هـ) مصنف و مدقق مرحلة اولى


{ وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُواْ مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِي ٱلسَّمَآءِ وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذٰلِكَ وَلاۤ أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ } * { أَلاۤ إِنَّ أَوْلِيَآءَ ٱللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } * { ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ } * { لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ فِي ٱلْحَياةِ ٱلدُّنْيَا وَفِي ٱلآخِرَةِ لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ ٱللَّهِ ذٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ }

قوله تعالى { وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُواْ مِنْهُ مِن قُرْآنٍ } اخبر عن عظيم اطلاعه على اسرار الخواطر وما يجرى فى الضمائر وكيف لا يطلع وهو مبدئها ومنشئها قال تعالىأَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ } خوف اشرف خلقه من اطلاعه حيث قال { وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ } اى ما تكون فى طلب وسيلة منك إليّ لتصل بها الى { وَمَا تَتْلُواْ مِنْهُ } اى { مِن قُرْآنٍ } من خطابى بنعت التبليغ على عبادى لتحدب قلوبهم بلذة خطابى الى الا وانا منتظر قدوم اسرارك على واراعى خطرات قلبك حتى لا يجرى ذكر غيرى من العرش الى الثرى فتح بهذا الخطاب لحبيبه ابواب انوار عظمته ليكون عظيم الشان فى عيون العالمين ثم خاطب الجميع بهذا الخطاب بقوله { وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ } من عبوديتى وطلب مشاهدة ربوبيتى { إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً } مطلعا على جريان هممكم على اسراركم بنعت كشف جلالى وعظمتى والقاء سطوة كبريائى على قلوبكم حتى لا تكونوا الا مشاهدين عظائم جبروتى وشرائف ملكوتى ومعنى { إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ } عند عزائمكم فى بذل وجودكم الي وكل حركة غيبية تجرى عليكم ثم اخبر عن سلطان احاطته على كل ذرة من العرش الى الثرى بقوله { وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِي ٱلسَّمَآءِ وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذٰلِكَ وَلاۤ أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ } بين ان ما صدر من العدم بنور القدم يكون بين علمه القديم وقدراته القائمة بذاته ونظره الشامل على وجود جميع الاشياء على حد صغرها وكبرها وأنها بجميعها معروفة فى علمه عند بصره وكلها قائمة بذاته وصفاته وفى جميع الاوقات ينظر الى كل ذرة بنظر الحفظ والرعاية ولولا كمال عزة قدرته واحاطته بعلمه القديم لتفتت ما بين عرصات الملكوت والجبروت وبهذه الاية يكمل خوف المراقبين وحذر الواجلين واجلال العارفين وخشية الموحدين ورعاية الصادقين ومؤانسة الصديقين ومطالبة المريدين قال الشقيق على العبد ان يلزم قلبه دوام نظر الله اليه وقربه منه وقدرته عليه لان الله يقول { وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً } وقال بعضهم من شهد شهود الحق اياه قطعه ذلك عن مشاهدة الاغيار اجمع قال النصرابادى شتان بين من عمل على رؤية الثواب وبين من عمل اتباع الأمر وبين من عمل على سبيل المشاهدة قال الله تعالى { وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً } وقد وقع لى اشارة لطيفة ان الله سبحانه بين التفاوت بين الارواح والاشباح وبين اجرام الاكوان تفاوتا شريفا حيث اخبر تعالى انه مع الارواح والاشباح بانوار شهوده وكشف وجوده واستغراقها فى علمه بقوله { وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً } خطاب الارواح والاشباح واجرام الاكوان معها بالعلم والقدرة والاحاطة بها منة عليها فالله سبحانه مع العبد العارف بنعت القربة والمشاهدة والكون مستغرق فى علم بقوله { وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِي ٱلسَّمَآءِ } وما انت للعارف لو شاهد مشهوده يغيب عن الخوض فى الاعمال بل يطير اليه باجنحة الاحوال اذا انكشف جماله لمحبة لم يبق بين المحب والمحبوب واسطة الاعمال واذا كان كذلك يسقط عنه احزان الفوات وخوف الافات اذ هو فى مشاهد الوصال ورؤية الجمال لقوله سبحانه فى وصف المشاهدين جماله المستأنسين وصاله الخارجين عن مكائد القهريات ونوائب العقوبات { أَلاۤ إِنَّ أَوْلِيَآءَ ٱللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } العارف الصادق اذا كوشف له انوار جمال الذات استانس بها وفرح بمواصلتها على الدوام ثم دخل فى نور البسط وغلب عليه الطمأنينة والرجاء ثم يدخل فى سماع الانبساط من روح الوصال فيغلب النشاط والاستبشار وذلك مقام لا يدخل فيه وجل القلوب من سطوات العظمة ولا اضطراب الارواح من انوار الهيبة ولا فناء الاسرار من قهر سلطان الاولية ولا اضمحلال الوجود من قوارع العزة لان الولى العارف اذا كان فى رؤية هذه الصفات يكون اسراره فى اسفار الازال والاباد ويكون هناك على خطر الفناء من غيرة القهريات الا ترى الى قوله عليه السلام

السابقالتالي
2