Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير لطائف الإشارات / القشيري (ت 465 هـ) مصنف و مدقق


{ إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ ٱلْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَٱلإِنْجِيلِ وَٱلْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ ٱللَّهِ فَٱسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ ٱلَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ }

لمّا كان من المؤمنين تسليمُ أَنفسهم وأموالهم لحُكْمِ الله، وكان من الله الجزاءُ والثوابُ؛ أي هناك عِوَضٌ ومُعَوض، فَلِمَا بَين ذلك وبين التجارة من مشابهة أطلق لفظَ الاشتراءِ، وقد قال تعالى:هَلْ أَدُلُّكمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ... } [الصف: 10]، وقال:فَمَا رَبِحَتْ تِّجَارَتُهُمْ } [البقرة: 16].

وفي الحقيقة لا يصحُّ في وصف الحق - سبحانه - الاشتراء لأنه مَالِكُ سِوَاه، وهو مالِكُ الأعيانِ كلِّها. كما أَنَّ مَنْ لم يستَحْدِثْ مِلْكاً لا يُقَال إنه - في الحقيقة - باع.

وللمقال في هذه الآية مجال... فيقال: البائعُ لا يستحقُّ الثمنَ إذا امتنع عن تسليم المبيع، فكذلك لا يستحق العبدُ الجزاءَ الموعودَ إلا بعد تسليمِ النَّفسِ والمالِ على موجب أوامر الشرع، فَمَنْ قَعَدَ أو فَرَّطَ فغيرُ مستحقٍ للجزاء.

ويقال لا يجوز في الشرع أن يبيع الشخصُ ويشتري شيئاً واحداً فيكونَ بائعاً ومشترياً إلا إذا كان أباً وجَدَّاً! ولكن ذلك هنا بلفظ الشفقة؛ فالحقُّ بإذنه كانت رَحْمَتُه بالعبد أتمَّ، ونظرُه له أبلغَ، وكان للمؤمِن فيه من الغبطة، ما لا يخفى، فصحَّ ذلك وإن كان حُكمه لا يقاس على حكم غيره.

ويقال إنما قال: { ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ } ولم يقل " قلوبهم " لأنَّ النَّفْسَ محلُّ الآفات فجعل الجنة في مقابلتها، وجعل ثَمَنَ القلبِ أَجَلَّ من الجنة، وهو ما يخصُّ به أولياءه في الجنة مِنْ عزيزِ رؤيته.

ويقال النَّفْسُ محلُّ العيب، والكريم يرغب في شراء ما يزهد فيه غيره.

ويقال مَنْ اشترى شيئاً لينتفع به اشترى خيرَ ما يجده، ومن اشترى شيئاً لِيَنْتَفِعَ به غيرهُ يشتري ما رُدَّ على صاحبه لِيَنْفَعَه بثمنه.

وفي بعض الكتب المنزلة على بعض الأنبياء - عليهم السلام -: يا بني آدم، ما خلقتُكم لأربحَ عليكم ولكن خَلَقْتُكم لتربحوا عليَّ.

ويقال اشترى منهم نفوسَهم فرهبوا على قلوبهم شكراً له حيث اشترى نفوسَهم، وأمَّا القلبُ فاستأثره قهراً، والقهر في سُنَّةِ الأحبابِ أعزُّ من الفضل، وفي معناه أنشدوا:
بُنِيَ الحبُّ على القَهْرِ فلو   عَدَلَ المحبوبُ يوماً لَسَمُج
ليس يُسْتَحْسَنُ في حكم الهوى   عاشِقٌ يَطْلُبُ تأليفَ الحُجَج
وكان الشيخ أبو علي الدقاق رحمه الله يقول: " لم يقل اشترى قلوبَهم لأن القلوبَ وَقْفٌ على محبته، والوقفُ لا يُشترى ".

ويقال الطيرُ في الهواء، والسَّمَكُ في الماءِ لا يصحُّ شراؤهما لأنه غير ممكن تسليمهما، كذلك القلبُ.. صاحبُه لا يمكنه تسليمه، قال تعالى:وَاعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِ } [الأنفال: 24].

وفي التوراة: " الجنَّةُ جنتي والمالُ مالي فاشتروا جنتي بمالي فإنْ ربحتم فلكم وإِنْ خَسِرْتُمْ فعليَّ ".

ويقال عَلِمَ سوءَ خُلقِك فاشتراك قبل أَنْ أوجدك، وغَالِي بثمنك لئلا يكونَ لَكَ حقُّ الاعتراض عند بلوغك.

السابقالتالي
2