Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير حقائق التفسير/ السلمي (ت 412 هـ) مصنف و مدقق


{ وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَٱضْرِب بِّهِ وَلاَ تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً نِّعْمَ ٱلْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ }

قوله تعالى: { إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً نِّعْمَ ٱلْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ } [الآية: 44].

قال ابن عطاء: وقف معنا بحسن الأدب لا يؤثر عليه دوام النعم ولا يزعجه تواتر البلاء والمحن لمشاهدة المنعم والمبلى ونعم العبد عبد لا يشغله مال عنا.

وقال بعضهم: الصبر الفناء فى البلايا بلا إظهار شكوى.

قال أبو سعيد الخراز فى قوله { إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً نِّعْمَ ٱلْعَبْدُ } قال: يثنى عليه بوجود ما أوجده عليه من الصبر فما ظنك بولى تولاه فى بلائه بتواتر النعماء وعرفه قدر الآلاء ولا تخليه طرفة عين من نظره يرى البلاء من حسن الاختيار هل يتلذذ بما اختار له وليه إذ لم يزل مختارًا لمن اختاره فنعم العبد عبدٌ صبر على مشاهدة مبليه لا على رؤية الثواب لذلك كان أيوب عليه السلام يرد الدود إلى نفسه ليستوفى منه رزقه كى لا يفوته جزء من البلاء فى تلذذه بالبلاء فى مشاهدة المبلى.

قال القاسم: محنة الأنبياء تقاربت وترتبت وكشف عن حالهم للعوام كقوله: { إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً نِّعْمَ ٱلْعَبْدُ } ، وقال فى قوله: { إِنَّهُ أَوَّابٌ } أى راجع إلينا فى السراء والضراء.

قال ابن عطاء - رحمة الله عليه -: { إِنَّهُ أَوَّابٌ } أى راجع إلى الله فى صبره لم يطالع نفسه فيه لأن تبدد الهم من أعظم العقوبات.

قال بعضهم: لم يستعذب البلاء من لم ير البلاء عطاء. نعم العبد عبد سره بلاؤنا كما سره عطاؤنا نعم العبد عبد عرف أن لا رجوع له إلا إلى مولاه فرجع إليه.

فقال ابن عطاء: إنه أواب عارف بتقصير الخلق ونقصانهم، وكمال الحق ووجوده فرجع إلى حد الكمال والوجود.

قال محمد بن حصيف فى قوله: { إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً نِّعْمَ ٱلْعَبْدُ } وقوله:مَسَّنِيَ ٱلضُّرُّ } [الأنبياء: 83] فقال: مرة نطق عن نفسه ومرة كان مستنطقًا.

قال الجنيد - رحمة الله عليه -: الصبر إسبال التولى قبل مخامرة المحنة فإذا صادفت المحنة التولى حملها بلا كلفة.

قال ذو النون - رحمة الله عليه -: الصبر التباعد عن المخالفات والسكوت عند تجرع غصص البلية وإظهار العناء مع حلول الفقر بساحة المعيشة.

قال أبو سليمان الدارانى: الأواب الذى لا يشغل إلا بربه.

وقال أبو حفص: الأواب الشاكر بالسر والعلانية عند فوادح الأمور.

سمعت محمد بن عبد الله يقول: سمعت أبا الحسن زرعان يقول فى قوله: { إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً نِّعْمَ ٱلْعَبْدُ } قال: معناه استلذ بوجود البلاء مع الله فاستزاد من البلاء وذلك فى قوله:مَسَّنِيَ ٱلضُّرُّ } [الأنبياء: 83] حيث ظهر على آثار العافية فإن العيش فى البلاء مع الله عيش الخواص وعيش العافية مع الله عيش العوام.

سمعت أبا بكر الرازى يقول: سمعت أبا سعيد بن الأعرابى يقول فى قوله: إنا وجدناه صابرًا أى مستغنيًا بربه فى صبره فتم له الصبر بذلك واستوجب الثناء بقوله: { نِّعْمَ ٱلْعَبْدُ }.