Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير تأويلات أهل السنة/ الماتريدي (ت 333هـ) مصنف و مدقق


{ ٱلَّذِينَ يَلْمِزُونَ ٱلْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ ٱللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } * { ٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْفَاسِقِينَ }

قوله: { ٱلَّذِينَ يَلْمِزُونَ ٱلْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ... } الآية.

يشبه أن تكون الآية صلة قوله: { وَمِنْهُمْ مَّنْ عَاهَدَ ٱللَّهَ } إلى قوله: { وَتَوَلَّواْ }.

إن أهل النفاق كانوا أهل بخل لا ينفقون إلا مراءاة وسمعة، فظنوا بمن أنفق من المسلمين وتصدق ظنّاً بأنفسهم، فقالوا: إنهم أنفقوا وتصدقوا مراءاة وسمعة.

[وقد] ذكر في بعض القصة " أن عبد الرحمن بن عوف أتى بنصف ماله في غزوة تبوك يتقرب به إلى الله، وقال: يا نبي الله، هذا نصف مالي أتيتك به، وتركت نصفه لعيالي، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم أن يبارك له فيما أعطى وفيما أمسك، فلمزه المنافقون وقالوا: ما أعطى إلا رياء وسمعة. وجاء رجل آخر من فقراء المسلمين بصاع من تمر فنثره في تمر الصدقة، فقال له نبي الله صلى الله عليه وسلم خيراً ودعا له، فقال المنافقون: إن الله لغني عن صاع هذا، فذلك لمزهم ".

فأنزل الله تعالى: { ٱلَّذِينَ يَلْمِزُونَ ٱلْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ } يعني: الذي جاء بصاع.

قال القتبي: الذين يلمزون المطوعين، أي: يصيبون المتطوعين بالصدقة، { وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ } أي: طاقتهم، والجهد: الطاقة، قال: والجهد: المشقة.

وقال أبو عوسجة: الجهد: إنفاق الرجل من الشيء القليل، يقال: جهد الرجل، إذا كان من الضعف أو من الفقر.

ويقال: جهد في العمل، يجهد جهداً؛ إذا بالغ في العمل.

قال أبو عبيد: الجهد مثل الوسع، والجهد: الطاقة، وكذلك قال أبو معاذ.

وفي الآية معنيان:

أحدهما: دلالة إثبات رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه معلوم أن ما كان منهم من اللمز لم يكن ظاهراً، ولكن كان سرّاً، ثم أخبرهم رسوله بذلك، دل أنه إنما عرف ذلك بالله.

والثاني: أن الأمور التي فيما بين الخلق إنما ينظر إلى ظواهرها، وإن كان في الباطن على خلاف الظواهر، حيث عوتبوا هم بما طعنوا فيهم بالرياء والسمعة؛ ليعلم أن الأمور التي فيما بين الخلق تحمل على ظواهرها، ولا ينظر فيها إلى غير ظاهرها، والحقيقة هو ما بطن وأسروا به يخلص العمل لله، والسر: هو ما يسر المرء في نفسه، والنجوى: هو اجتماع جماعة على نجوةٍ من الأرض، أي: المرتفع من المكان.

وقوله: { فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ ٱللَّهُ مِنْهُمْ }.

قال بعضهم: إن من اعتذر إلى آخر فيقبل عنه، على علم من المعتذَر إليه أنه لا عذر له فيما يعتذر إليه، وأنه كاذب في ذلك - فقبول المعتذَر إليه ما يعتذر من المعتذِر: سخرية من المعتذَر إليه إلى المعتذِر.

وقال بعضهم: قوله: { سَخِرَ ٱللَّهُ مِنْهُمْ } أي: يجزيهم جزاء السخرية؛ فسمى جزاءه باسم السخرية، وإن لم يكن الجزاء سخرية، كما سُمِّي جزاء السبة: سبة، وإن لم تكن الثانية سبة، وكذلك سمي جزاء الاعتداء اعتداء وإن لم يكن الثاني اعتداء، فعلى ذلك سمي جزاء السخرية سخرية، وإن لم يكن سخرية.

السابقالتالي
2 3