الرئيسية - التفاسير


* تفسير تأويلات أهل السنة/ الماتريدي (ت 333هـ) مصنف و مدقق


{ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ } * { لِّسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ } * { فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ } * { لاَّ تَسْمَعُ فِيهَا لاَغِيَةً } * { فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ } * { فِيهَا سُرُرٌ مَّرْفُوعَةٌ } * { وَأَكْوَابٌ مَّوْضُوعَةٌ } * { وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ } * { وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ }

قوله - عز وجل -: { وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ * لِّسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ } ، أي: ناعمة بما عاينت من عاقبة عملها الصالح في الدنيا، ورضيت بما أوتيت جزاء عن سعيها في الدنيا، جعل الله تعالى في وجوه الخلق يوم القيامة آثار صنائعهم في الدنيا: فمن أطاعه جعل علم طاعته في وجهه يوم القيامة، ومن عصاه جعل أثره في وجهه يعرف به.

وقوله - عز وجل -: { فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ } يحتمل وجهين:

أحدهما: أن يكون قد علا قدرها، وعظم شأنها؛ فتكون { عَالِيَةٍ } نعتا للجنة، فوصفها بالعلو من هذا الوجه.

والثاني: يحتمل العلو من حيث الدرجات والمكان، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: { لاَّ تَسْمَعُ فِيهَا لاَغِيَةً } ما يحق أن يلقى من الشتم ومن كل ما يؤثم صاحبه؛ بل هم كما وصفهم الله تعالى:وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَٰناً عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَـٰبِلِينَ } [الحجر: 47].

ثم الذي يحمل المرء على شتم المرء إما ضغن أضمره في صدره، أو خصومة حدثت بينهما، أو آفة تدخل في عقله بسكر أو ما أشبهه، والله - تعالى - نفى عن الشراب الآفات بقوله:لاَّ يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلاَ يُنزِفُونَ } [الواقعة: 19]، ونزع الغل عن صدورهم؛ فارتفعت دواعي السفه كلها؛ فلا يسمع فيها [ما يحق] أن يلغى به.

وقوله - عز وجل -: { فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ } ، أي: عيونها جارية تأخذها العين، وتجري على وجهها، ليست كمياه الدنيا في أن بعضها يجري على وجه الأرض، وبعضها تحتها، نحو ماء القناة وماء البئر.

وقوله - عز وجل -: { فِيهَا سُرُرٌ مَّرْفُوعَةٌ } ، قال بعضهم: مرفوعة بعضها فوق بعض، ترتفع ما شاء الله، فإذا جاء ولي الله - تعالى - ليجلس عليها، تطامنت له، فإذا استوى عليها ارتفعت حيث شاء الله تعالى.

وقال بعضهم: معنى { مَّرْفُوعَةٌ } هاهنا: أنها أنشئت مرفوعة القدر عند أهلها، فوعدوا في الآخرة على ما هي عليه رغبتهم في الدنيا وإيثارهم لها، والمرء يرغب في الوجهين اللذين ذكرناهما في الدنيا؛ فعلى مثله جرى الوعد في الآخرة، وكذلك يرغب في الأكواب والنمارق المصفوفة والزرابي المبثوثة؛ فوعد لهم مثلها في الآخرة.

وقال في موضع:وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ } [الواقعة: 34]، ورفعها يكون من الوجهين اللذين ذكرناهما في السرر؛ فوعدوا بها - أيضا - في الآخرة؛ ليرغبهم بها في الدنيا.

وقول - عز وجل -: { وَأَكْوَابٌ مَّوْضُوعَةٌ } الأكواب هي الكيزان التي لا عرا لها؛ فإما أن يكون وصفا لكبر تلك الأكواب في أنفسها حيث لا عرا لها كالحباب في الدنيا.

أو يكون لهم خدم وولدان يتولون نقلها إلى أين أحبوا، وليست لها عرا يمدون أيديهم إليها فيرفعونها.

وقوله - عز وجل -: { وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ } قيل: هي الوسائد وضعت على البسط، وكذلك تبسط الوسائد في الدنيا؛ فرغبوا كذلك في الآخرة.