Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير تأويلات أهل السنة/ الماتريدي (ت 333هـ) مصنف و مدقق


{ وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱلَّذِي ۤ ءَاتَيْنَاهُ ءَايَاتِنَا فَٱنْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ ٱلشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ } * { وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَـٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى ٱلأَرْضِ وَٱتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ ٱلْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّلِكَ مَثَلُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَٱقْصُصِ ٱلْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ } * { سَآءَ مَثَلاً ٱلْقَوْمُ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَأَنفُسَهُمْ كَانُواْ يَظْلِمُونَ } * { مَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِي وَمَن يُضْلِلْ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ }

قوله - عز وجل -: { وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱلَّذِيۤ ءَاتَيْنَاهُ ءَايَاتِنَا فَٱنْسَلَخَ مِنْهَا }.

اختلف أهل التأويل في [نبأ] هذا:

قال بعضهم: كان هذا نبيّاً فانسلخ منها، يعني: من النبوة وكفر بها.

لكن هذا بعيد محال أن يجعل الله الرسالة فيمن يعلم أنه يكفر به، أو يختاره لوحيه، وهو يعلم أنه ليس [هو] بأهل له؛ بقوله:ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ } [الأنعام: 124].

وقال بعضهم: كان بلعم بن باعوراء أعطاه الله - تعالى - آيات فكفر بها وانسلخ منها.

وقيل: أعطي الاسم [المخزون الذي كان يستجاب له به] جميع ما يسأل ربه.

وقال بعضهم: كان أمية بن أبي الصلت؛ على [ما قال عنه - عليه السلام -]: إنه " آمن شعره وكفر قلبه ".

وقال بعضهم: نزلت الآية في منافقي أهل الكتاب؛ قد كان أعطاهم الله الآيات، فكفروا بها وكذبوها.

ولكن لا ندري فيمن نزلت، وهو في جميع مكذبي الآيات، ليس يجب أن ننص واحداً، أو يشار إلى واحد نزلت فيه، ولكن نقول: إنها في جميع مكذبي الآيات.

وقوله: { فَٱنْسَلَخَ مِنْهَا }: خرج منها، و[قيل]: نزع منها.

وقيل: تركها؛ وكله واحد.

ثم يحتمل قوله: { فَٱنْسَلَخَ مِنْهَا } أي: كانوا قبلوها مرة، ثم ردوها من بعد القبول.

ويحتمل: أن لم يقبلوها ابتداء فخرجوا منها وكذبوها.

وقوله - عز وجل -: { فَأَتْبَعَهُ ٱلشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ }.

فيه دلالة أن الله لا يتبع الشيطان أحد ولا يزيغه إلا بعد أن كان منه الاختيار للضلال والميل إليه؛ حيث قال: { فَٱنْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ ٱلشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ } إنما أتبعه الشيطان بعد ما كان منه الانسلاخ والنزع.

وقوله: { فَكَانَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ } قيل: كان في علم الله أن يكون في ذلك الوقت من الغاوين.

وقيل: كان من الغاوين، أي: صار من الغاوين إذا انسلخ منها وخرج، والغاوي: الضال.

وقوله - عز وجل -: { وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا }.

يحتمل قوله: { لَرَفَعْنَاهُ بِهَا }: عصمناه حتى لا ينسلخ منها ولا يكذب بها، أي: لو شئنا لوفقناه لها حتى يعمل بها.

أو أن يقال: لو شئنا لعصمناه حتى لا يختار ما اختار، لكنه إذ علم منه أنه يختار ذلك ويميل إليه، شاء ألاّ يعصمه، ولا يوفقه، فكيفما كان فهو على المعتزلة؛ لأنه أخبر: [أنه] لو شاء لرفعه بها، وكان له مشيئة الرفع، ثم أخبر أنه لم يرفع، ولو رفعه بها كان أصلح له في الدين؛ دل أنه قد يفعل به ما ليس هو بأصلح في الدين، وهم يقولون: [إن] المشيئة - هاهنا - مشيئة القهر والقسر، لا مشيئة الاختيار، لكن ما ذكرنا أن الإيمان في حال الاضطرار والقهر لا يكون إيماناً، فلا معنى لذلك، ولا يكون ذلك رفعاً؛ فيبطل قولهم.

السابقالتالي
2 3