Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير تأويلات أهل السنة/ الماتريدي (ت 333هـ) مصنف و مدقق


{ تَبَارَكَ ٱلَّذِيۤ إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِّن ذٰلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ وَيَجْعَل لَّكَ قُصُوراً } * { بَلْ كَذَّبُواْ بِٱلسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بِٱلسَّاعَةِ سَعِيراً } * { إِذَا رَأَتْهُمْ مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً } * { وَإَذَآ أُلْقُواْ مِنْهَا مَكَاناً ضَيِّقاً مُّقَرَّنِينَ دَعَوْاْ هُنَالِكَ ثُبُوراً } * { لاَّ تَدْعُواْ ٱلْيَوْمَ ثُبُوراً وَاحِداً وَٱدْعُواْ ثُبُوراً كَثِيراً }

قوله: { تَبَارَكَ ٱلَّذِيۤ إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِّن ذٰلِكَ } قد ذكرنا أنه خرج جواب ما سألوه من الأشياء: من الملك والكنز والجنة وأنواع الطعن الذي طعنوه، أي: لو شاء لأعطاك خيراً من ذلك.

ثم أخبر أن الذي حملهم على ذلك السؤال وأنواع الطعن فيه هو تكذيبهم بالساعة؛ حيث قال: { بَلْ كَذَّبُواْ بِٱلسَّاعَةِ } حيث لم يروا لأمورهم عاقبة ينتهون إليها؛ يثابون عليها أو يعاقبون.

ثم أخبر ما أعدّ لهم بتكذيبهم الساعة فقال: { وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بِٱلسَّاعَةِ سَعِيراً }.

ثم وصف ذلك السعير فقال: { إِذَا رَأَتْهُمْ مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً }.

وقوله: { رَأَتْهُمْ مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ }: يحتمل وجهين: أحدهما: يجعل لها أسباباً تراهم كما يرونها. والثاني إذا صاروا في مكان بحيث يرونها كأنها رأتهم.

وقوله: { وَإَذَآ أُلْقُواْ مِنْهَا مَكَاناً ضَيِّقاً }: قيل: إن النار ترفع ويعلو لهبها، وترد من كان في أعلاها إلى أسفلها، ويرد من كان من أسفلها إلى أعلاها، فيجمعهم جميعاً فيضيق عليهم المكان ويشتد بهم العذاب، كلما ضاق عليهم المكان كان العذاب لهم أشد.

وقوله: { مُّقَرَّنِينَ }: قال بعضهم: مقيدين بعضهم ببعض.

ثم قال بعضهم: الشيطان يقرن، ويَقَيَّدُ كل بشيطانه الذي دعاه إلى دعائه واتبعه؛ كقوله:وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً... } الآية [الزخرف: 36].

وقال بعضهم: يقرن العابد والمعبود من دون الله، وهو الأصنام التي عبدوها؛ كقوله:ٱحْشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ... } الآية [الصافات: 22].

وقوله: { دَعَوْاْ هُنَالِكَ ثُبُوراً } أي: هلاكا، والثبور: الهلاك؛ كقوله:وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يٰفِرْعَونُ مَثْبُوراً } [الإسراء: 102] أي: هالكاً.

والثبور والويل: هما حرفان يدعو بهما كل من كان في الهلكة والشدة، فقال: { لاَّ تَدْعُواْ ٱلْيَوْمَ ثُبُوراً وَاحِداً وَٱدْعُواْ ثُبُوراً كَثِيراً } ، أي: لا تدعوا هلاكاً واحداً؛ كما يكون في الدنيا أن من هلك مرة لا يهلك ثانياً، وأما في النار فإن لأهلها هلكات لا تحصى؛ كقوله:وَيَأْتِيهِ ٱلْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ } [إبراهيم: 17] أي: أسباب الموت تأتيهم من كل مكان وما هو بميت؛ وكقوله:كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ... } الآية [النساء: 56].

وإنما يسألون ويدعون بالهلاك لما يرجون من الهلاك النجاة من ذلك العذاب؛ وهكذا كل من ابتلي ببلاء شديد يتمنى الهلاك والموت.