Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير تأويلات أهل السنة/ الماتريدي (ت 333هـ) مصنف و مدقق


{ ومِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلاَ هُدًى وَلاَ كِتَابٍ مُّنِيرٍ } * { ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ لَهُ فِي ٱلدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ } * { ذٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّٰمٍ لِّلعَبِيدِ }

قوله: { ومِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ } يحتمل قوله: { بِغَيْرِ عِلْمٍ } حسي { وَلاَ هُدًى } أي: لا بيان دليلي من جهة العقل { وَلاَ كِتَابٍ مُّنِيرٍ } أي: ولا وحي ينير ما يجادل فيه ويخاصم.

ويحتمل أن يكون قوله: { بِغَيْرِ عِلْمٍ } أي: بغير إذعان ممّن عنده العلم { وَلاَ هُدًى } لا استسلام لمن عنده الدليل، ولا خضوع لمن عنده كتاب منير.

وقوله: { ثَانِيَ عِطْفِهِ } قال بعضهم: لاوي عنقه إلى معصية الله.

وقال بعضهم: ناظر في عطفه، أي: في جانبه، ومثل هذا.

لكن حقيقته تخرج على وجهين:

أحدهما: على التمثيل والكناية عن إعراضه عن دين الله الحق والصدود عنه، كقوله:ٱنْقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ } [الحج: 11] وقوله:ٱنْقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ } [آل عمران: 144] ونحوه، كله على التمثيل والكناية عن الإعراض عن الحق والصدود، لا على حقيقة الانقلاب على الأعقاب؛ فعلى ذلك جائز قوله: { ثَانِيَ عِطْفِهِ } يخرج على التمثيل والكناية عن الإعراض عن الحق.

وجائز أن يكون على حقيقة عطف العنق والميل عنهم تكبّراً وتجبراً منه عليهم.

ثمّ بين أنه لِمَ يفعل؟ فقال: { لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ }.

ثم أخبر ما له في الدنيا بصنعه؟ فقال: { لَهُ فِي ٱلدُّنْيَا خِزْيٌ }.

قال بعضهم: الخزي: هو العذاب الذي يفضحه، وأصل الخزي: الهوان والذل، وهم لما أعرضوا عن عبادة الله ودينه بلوا بعبادة الأصنام واتباع الشيطان، فذلك الخزي لهم في الدنيا.

ثم أخبر ما له في الآخرة من الجزاء؟ فقال: { وَنُذِيقُهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ } وعامة أهل التأويل يصرفون الآية إلى واحد منهم وهو النضر بن الحارث، ويقولون: { لَهُ فِي ٱلدُّنْيَا خِزْيٌ }؛ لأنه أسر يوم بدر، فضرب عنقه، وقتل صبرا، فذلك الخزي له.

والحسن يقول: هذا الخزي لجميع الكفرة؛ لأنه لم يزل هذا صنيعهم منذ كانوا، فلهم الخزي في الدنيا: الخسف والحصب، على ما كان في الأمم الخالية.

وقوله - عز وجل -: { ذٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ } ليس على تحقيق تقديم الأيدي، ولكن على التمثيل؛ لما بالأيدي يقدم، فذكر اليد لذلك على ما ذكرنا من انقلاب الأعقاب.

وقوله - عز وجل -: { وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّٰمٍ لِّلعَبِيدِ }؛ لأنّه لا يأخذ أحداً بغير ذنب ولا يأخذه بذنب غيره.