Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير تأويلات أهل السنة/ الماتريدي (ت 333هـ) مصنف و مدقق


{ مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } * { أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ } * { أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْأَلُواْ رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَىٰ مِن قَبْلُ وَمَن يَتَبَدَّلِ ٱلْكُفْرَ بِٱلإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ } * { وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلْحَقُّ فَٱعْفُواْ وَٱصْفَحُواْ حَتَّىٰ يَأْتِيَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } * { وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَٰوةَ وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنْفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ }

قوله: { مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا }.

قال بعض أهل الكلام: { مَا نَنسَخْ } من اللوح المحفوظ { أَوْ نُنسِهَا }: نَدعُها في اللوح.

وقيل: { مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ } أي نرفع بآيةٍ أُخرى أو نتركها في الآخرى.

وقيل: { مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ } فنرفع حكمها، والعملَ بها، { أَوْ نُنسِهَا } أَي: نترك قراءتها وتلاوتها.

فيجوز رفع عينها، ويجوز رفع حكمها وإبقاء عينها؛ لأَوجه:

أَحدها: ظهور المنسخ؛ فبطل قول من أَنْكر النسخ؛ إذ وجد. ومن أَنكر ذلك فإنما أَنكر لجهل بالمنسوخ؛ لأَن النسخ بيان الحكم إلى وقت، ليس على البداءِ، على ما قالت اليهود.

والثاني: أَن للتلاوة فيها فضلاً - كما للعمل - فيجوز رفع فضل العمل، وبقاءُ فضل التلاوة.

والثالث: على جعل الأَول في حالة الاضطرار، والثاني في وقت السعة، كقوله:حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ } [المائدة: 3].

ثم يجوز أَن يرفع عينُها فيُنْسى ذكرُها، كما رُوي عن عمر - رضي الله عنه - أنه قال: " كنا نعدل سورة الأَحزاب بسورة البقرة، حتى رفع منها آيات، منها: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة ".

وأَما قوله: { نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا }.

فاختلف فيه: قيل: { نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا } أي: أخفَّ وأَهونَ على الأَبدان؛ كقوله:وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُ } [البقرة: 184]، إن الأمر بالصوم كان لوقت دون وقت؛ إذ رجع الحكم عند الطاقة إلى غَيره. وكذا ما كان من الحكم في تحريم الأَكل عند النوم والجماع، وكذا تحريم الميتة: لو لم يرد فيهما الإباحة والحل عند الضرورة لكُنَّا نعرفه بالحرمة، وذلك أَخف وأَهون، والله أعلم.

وقيل: { نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا } في الثواب في العاقبة.

وقيل: { نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا } في المنفعة { أَوْ مِثْلِهَا } في المنفعة.

وقيل: { نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا } وهو أَن يظهر لكم به الخير في حق الاتباع. والمثلُ: في حق الأَمر؛ فيشترك أَصحاب المنكرين للنسخ في حق الائتمار بالمثل، ويفضلونهم بظهور الأَخير.

وهو كالصلاة إلى بيت المقدس؛ كان لهم مثلُ ما لليهود في حق الائتمار ما كان ظهر لهم الأَخير في وقت ظهور الأَمر، وأَبهم الخير. وظهر عنده فيمن أَبى: أَن اتباعه لم يكن لأَجل حق المتابعة، بل لما كان عنده الحجة.

فأَما من جعله خيراً على البدل فاستدل بها الآخر رخصة وإباحة، والإباحة ورودها للتخفيف.

ومن استدل على أَن النسخ - أَبداً - يَرِدُ على ما هو أَغلظ، عورض بقوله:فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي ٱلْبُيُوتِ حَتَّىٰ يَتَوَفَّاهُنَّ ٱلْمَوْتُ } [النساء: 15]، فأبدل بعقوبة أَشد من الأَول - وهو الرجم - بقوله: " خذوا عني، خذوا عني ".

ويحتمل قوله: { نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا } وجهاً آخر: وهو آيةٌ والآيات هي الحجج؛ فيكون معناه: ما نرفع من حجة فننفيها عن الأَبصار، إلا نأْت بخير منها يعني أقوى منها في إلزام الحجة، أَو مثلها.

السابقالتالي
2 3 4 5