Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير تأويلات أهل السنة/ الماتريدي (ت 333هـ) مصنف و مدقق


{ إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ ٱلْفِرْدَوْسِ نُزُلاً } * { خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً } * { قُل لَّوْ كَانَ ٱلْبَحْرُ مِدَاداً لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ ٱلْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً } * { قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَآ إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدَاً }

ثم ذكر للمؤمنين من الثواب والجزاء بأعمالهم التي عملوها في الدنيا، واختاروا فيها مقابل ما ذكر للكفرة؛ فقال: { إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ ٱلْفِرْدَوْسِ نُزُلاً }.

كأن الجنان التي وعد للمؤمنين أربعة: جنات النعيم، وجنات المأوى، وجنات عدن، وجنات الفردوس، ثم كان في [كل] واحدة منها - أعني الجنان - فيها معنى الأخرى؛ لأنه قال:جَنَّاتُ ٱلْمَأْوَىٰ } [السجدة: 19] وهو ما يؤوي إليه، وجَنَّٰتِ ٱلنَّعِيمِ } [المائدة: 65] ظاهر، وجَنَّاتِ عَدْنٍ } [التوبة: 72] من المقام أو غيره، و { ٱلْفِرْدَوْسِ } سميت فردوساً؛ لأنها تكون ملتفة محفوفة بالأشجار، ففي كل واحدة منها ذلك كله.

وقوله - عز وجل - { نُزُلاً } قيل: منزلاً من النزول.

وقيل: من النزل وهو من الأنزال.

وقوله - عز وجل -: { خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً } أي: تحولاً، أخبر أنهم لا يملون ولا يسأمون عن نعيمها، كما يمل أهل الدنيا عن نعيمها ويسأمون؛ لأن المسرور بها يمل عن نعمة، ويرغب في أخرى، فأخبر أن أهل الجنة لا يملون فيها، ولا يسأمون، ولهم فيها ما يشتهون، ولهم فيها ما يتخيرون.

وروي أن ابن عباس سأل كعباً عن الفردوس؛ فقال: هي جنات الأعناب بالسّريانية.

وقال بعضهم: ما ذكرنا أنها سميت: [فردوساً] لكثرة أشجارها والتفافها.

وروي عن عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، الفردوس أعلاها درجة من فوقها يكون الفردوس، منها يتفجر أنهار الجنة الأربعة فإذا سألتم الله الجنة فاسألوه الفردوس ".

وقال القتبي: { لاَ يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً } أي: تحولاً، وكذلك قال أبو عوسجة: هو من التحول، وقال: { نُزُلاً } ، قال: هذا من الطعام والشراب، وجميع النزل: أنزال، وجمع الفردوس: فراديس. وقال القتبي: النزل: ما يقدم للضيف، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: { قُل لَّوْ كَانَ ٱلْبَحْرُ مِدَاداً لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ ٱلْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي }.

يشبه أن يكون هذا خرج مقابل قوله:وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ } [النحل: 89]، وقوله:وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ } [يوسف: 111] وجواباً لما ذكر فيه تبياناً لكل شيء، وتفصيل كل شي، فقالوا: كيف يحتمل هذا المقدار أن يكون فيه تبيان كل شيء وتفصيل كل شيء؟ فقال - عز وجل - عند ذلك جواباً لقولهم: إنه لو بسط ما أودع فيه من نحو المعاني والحكمة، وشرح ذلك فكتب بما ذكر لبلغ القدر الذي ذكر وازداد.

وقال الحسن: قوله: { لَّوْ كَانَ ٱلْبَحْرُ مِدَاداً لِّكَلِمَاتِ رَبِّي } أي: لخلق ربي، أي: لو قال ما خلق وأملى: أني خلقت كذا، وخلقت كذا، فيكتب جميع ما خلق، لبلغ القدر الذي ذكر.

السابقالتالي
2 3