Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير تأويلات أهل السنة/ الماتريدي (ت 333هـ) مصنف و مدقق


{ إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلإحْسَانِ وَإِيتَآءِ ذِي ٱلْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَاءِ وَٱلْمُنْكَرِ وَٱلْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } * { وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ ٱللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلاَ تَنقُضُواْ ٱلأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ ٱللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ } * { وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثاً تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَىٰ مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ ٱللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ } * { وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلـٰكِن يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } * { وَلاَ تَتَّخِذُوۤاْ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُواْ ٱلْسُّوۤءَ بِمَا صَدَدتُّمْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } * { وَلاَ تَشْتَرُواْ بِعَهْدِ ٱللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً إِنَّمَا عِنْدَ ٱللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ } * { مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُوۤاْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } * { مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ }

قوله - عز وجل -: { إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلإحْسَانِ... } إلى آخر ما ذكر.

قال الحسن: قوله: { إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ } فيما بين الناس، أي: يأمر بالحكم فيها بينهم بالعدل، { وَٱلإحْسَانِ }: هو ما كلفهم بالطاعة له، أو أن يكون الأمر بالإحسان إلى أنفسهم أو إلى الناس، وجَائز أن يكون الأمر بالعدل فيما بينه وبين الله، والإحسان فيما بينه وبين الخلق، أي: يعامل ربه بالعدل؛ لأن العدل هو وضع الشيء موضعه، وهو لا يقدر على المجاوزة عن العدل حتى يكون في حد الإحسان فيما بينه وبين ربه، ويقدر أن يصنع إلى خلقه أكثر مما يصنعون هم إليه؛ فيكون محسناً إليهم، وأما إلى الله فلا يكون محسناً.

{ وَإِيتَآءِ ذِي ٱلْقُرْبَىٰ }.

أي: إعطاء ذي القربى الصدقة من غير الزكاة المفروضة.

{ وَيَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَاءِ وَٱلْمُنْكَرِ وَٱلْبَغْيِ }.

هي المعاصي، أي: نهى عن المعاصي كلها. وقال أبو بكر الأصم: { يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ } ، أي: بالحق الذي له عليهم، والإحسان: هو ما تعبدهم من العبادات والطاعات التي جعل بسبب عطف بعضهم على بعض.

{ وَإِيتَآءِ ذِي ٱلْقُرْبَىٰ }.

صلة القرابة والأرحام.

{ وَيَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَاءِ وَٱلْمُنْكَرِ وَٱلْبَغْيِ }.

قال ابن عباس ومقاتل وقتادة وهؤلاء: قوله: { يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ }: بالتوحيد، { وَٱلإحْسَانِ } ، أي: أداء الفرائض، وهو قول ابن عباس وقتادة.

وقال مقاتل: قوله: { وَٱلإحْسَانِ }: هو فيما بينهم، يحسن بعضهم إلى بعض، { وَإِيتَآءِ ذِي ٱلْقُرْبَىٰ }: صلة الأرحام، { وَيَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَاءِ } ، أي: الزنى، { وَٱلْمُنْكَرِ } ، أي: السكر، { وَٱلْبَغْيِ } مظالم الناس.

وقال بعضهم: المنكر: ما لا يعرف في الشرائع والسنن. ويقال: المنكر: ما أوعد الله عليه النار، والبغي: الاستطالة، والظلم، ثم يجب [أن نقرر] حقيقة العدل: ما هو؟ فهو - والله أعلم -: وضع كل شيء موضعه؛ فيدخل فيه كل شيء: التوحيد وغيره؛ بجعل الربوبيّة والألوهيةِ لله لا شريك فيها غيره، ولا يصرفها إلى غيْره، ولا يضيف، بل ينسب الرّبوبيّة والألوهية إلى الله، والعبودية إلى العباد، ولا يضاف العبودية إلى الله، ولا الربوبية والألوهية إلى العباد؛ فذلك العدل ووضع كل شيء موضعه: الربوبية في موضعها، والعبودية في موضعها، هذا - والله أعلم - معنى العدل.

وأمّا الإحسان: فهو ما قال النبي صلى الله عليه وسلم: " إن جبريل سأله عن الإحسانِ حين سأله عن الإيمان والإسلام؛ فقال ما الإحسان؟ فقال: " أَنْ تَعْمَلَ لِلَّهِ كَأنَّكَ تَراهُ، فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ " ومن يعمل لآخر بحيث يراه وينظر إليه يكون أبداً طالب رضاه في ذلك العمل، وإخلاصه له وطلب مرضاته فيه؛ فهو يحتمل وجوهاً ثلاثة - أعني الإحسان -:

أحدها: ما ذكر أنه يعمل له كأنه يراه، وذلك فيما بينه وبين ربه.

السابقالتالي
2 3 4 5 6 7 8