Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير تأويلات أهل السنة/ الماتريدي (ت 333هـ) مصنف و مدقق


{ مَّثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ ٱشْتَدَّتْ بِهِ ٱلرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لاَّ يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُواْ عَلَىٰ شَيْءٍ ذٰلِكَ هُوَ ٱلضَّلاَلُ ٱلْبَعِيدُ }

قوله - عز وجل -: { مَّثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ } هو - والله أعلم -: على التقديم [والتأخير]؛ أي: مثل أعمال الذين كفروا بربهم كرماد اشتدت به الريح.

ثم تحتمل { أَعْمَالُهُمْ }: الأعمال التي كانت لهم في حال إيمانهم، ثم كفروا، بما أحدثوا من الكفر؛ أبطل ذلك الأعمال الصالحة في الإيمان؛ وهو ما ذكر:وَمَن يَكْفُرْ بِٱلإِيمَٰنِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ } [المائدة: 5].

أو يكون محاسنهم التي كانت لهم في حال الكفر؛ طمعوا أن ينتفعوا بتلك المحاسن في الآخرة؛ فما انتفعوا بها؛ فصارت كالرماد الذي تذروه الريح الشديدة؛ لم ينتفع صاحب ذلك الرماد به بعد ما عملت به الريح ما عملت؛ فعلى ذلك: الأعمال الصالحة التي عملوها في حال كفرهم، أو أعمالهم الصالحة التي كانت لهم في حال الإيمان؛ ثم أحدثوا الكفر - لا ينتفعون بها.

وقال في آية أخرى:أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ } [النور: 39] فيشبه أن يكون هذا في أعمالهم السيئة في أنفسها فرأوها صالحة حسنة؛ كقوله:أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوۤءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً } [فاطر: 8] فشبه ما كان في نفسه سبباً بالسراب؛ لأنه لا شيء هنالك؛ إنما يرى خيالا، فعلى ذلك: أعمالهم السيئة في أنفسها فرأوها حسنة صالحة، وما كان وما شبه بالرماد - فهي أعمالهم الصالحة في أنفسها؛ لكن الكفر أبطلها.

وقوله - عز وجل -: { فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ }.

[اليوم لا يكون عاصفاً؛ ولكن على الإضمار؛ كأنه قال: في يوم فيه ريح عاصف] كقوله:وَٱلنَّهَـارَ مُبْصِـراً } [غافر: 61] النهار لا يبصر ولكن يُبصَر فيه أو يُبصَر به.

والعاصف: قيل: هو القاصف الكاسر الذي يكسر الأشياء. أو يكون قوله: { ٱشْتَدَّتْ بِهِ } ، والعاصف والقاصف - حرفان يؤديان جميعاً معنى واحد.

وقوله - عز وجل -: { لاَّ يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُواْ عَلَىٰ شَيْءٍ } كالرماد الذي ذكرنا أن صاحبه لا يقدر به بعدما عملت به الريح وذرته. والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: { ذٰلِكَ هُوَ ٱلضَّلاَلُ ٱلْبَعِيدُ }.

يحتمل: ذلك الكفر هو الضلال البعيد؛ لا نجاة فيه أبداً.

أو ذلك [الكفر] الذي أتوا به بعيد عن الحق والله أعلم.