Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير تأويلات أهل السنة/ الماتريدي (ت 333هـ) مصنف و مدقق


{ ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } * { ٱلرَّحْمـٰنِ ٱلرَّحِيمِ } * { مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ }

قولهُ عز وجلَّ: { ٱلْحَمْدُ للَّهِ }.

احتمل أن يكون جلَّ ثناؤُه حمدَ نفسه؛ ليُعلِم الخلقَ استحقاقَه الحمد بذاته؛ فيَحمَدوهُ.

فإن قيل: كيف يجوز أن يحمدَ نفسه، ومثلهُ في الخلق غير محمود؟!

قيل له: لوجهين:

أحدهما: أَنَّه استحقَّ الحمدَ بذاته، لا بأَحدٍ؛ ليكون في ذلك تعريفُ الخلقِ لما يُزلفُهم لديه بما أَثْنَى على نفسه؛ ليُثْنُوا عليه. وغيرُه إنما يكون ذلك له به - جل وعز - فعليه: توجيه الحمد إليه لا إلى نفسه؛ إذ نفسُه لا تستوجبه بها، بل بالله تعالى.

والثاني: أَن الله تعالى حقيق بذلك؛ إذ لا عيب يمسُّهُ، ولا آفة تحل به فيدخل نقصان في ذلك. ولا هو خاصّ بشيء. والعبْدُ لا يخلو عن عيوب تمسُّه، وآفات تحل به، ويُمدح بالائتمار، ويذم بتركه. وفي ذلك تمكن النقصان، وحق لمثله الفزع إلى الله، والتضرع إليه، ليتغمدهُ برحمته، ويتجاوز عن صنيعه.

وعلى ذلك معنى التكبير، نحمد به ربنا ولا نحمد غيره؛ إذ ليس للعبد معنى يستقيم معه تكبُّره، إذ هُم جميعاً أَكفاء من طريق المحبَّة، والخلق، وما أَدرك أَحدٌ منهم من فضيلة أو رفعة فبالله أدركه، لا بنفسه؛ فعليه تنزيه الرب، والفزعُ إليه بالشكر، لا بالتكبر على أمثاله. والله عن هذا الوصفِ مُتَعَالٍ.

ويحتمل أن يكون قوله: { ٱلْحَمْدُ للَّهِ } على إضمار الأَمر، أي: قولوا: الحمد لله؛ لأن الحمد يضاف إلى الله، فلا بد من أن يكون له علينا؛ فأَمرَ بالحمد لذلك.

ثم يخرج ذلك على وجهين:

أحدهما: ما روي عن ابن عباس - رضي الله عنه - أنه قال: " الحمد لله: أي الشكر لله بما صنع إلى خلقه ".

فيخرج تأويل الآية على هذا؛ لأنه - على هذا الترتيب - على الأَمر بتوجيه الشكر إليه، وذلك بتضمن الأَمر أيضاً بكل الممكن من الطاعة على ما روي عن النبي - عليه السلام - " أَنَّه صَلَّى حَتَّى تَوَرَّمَتْ قَدَمَاهُ فقِيلَ لَهُ: أليسَ قَدْ غَفَرَ اللهُ لكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ ومَا تَأَخَّرَ؟ قَالَ: أَفلا أكونُ عَبْداً شَكُوراً "

فصيَّر أَنواع الطاعات شكراً له، فمن أَطاع الله - تعالى - فقد شكر له، فيخرج تأْويل الآية على هذا.

والوجه الثاني: أنه يخرج مخرج الثناء على الله - عز وجل - والمدح له، والوصفِ بما يستحقه، والتنزيه عما لا يليق به، من توجيه النعم إليه، وقطع الشركة عنه في الإنعام والإفضال على عباده.

وعلى ذلك ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أَن الله - عز وجل - يقول: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فإذا قال العبد: الْحَمْدُ لله رَبِّ الْعَالَمين، قال الله تعالى: حَمِدَني عَبْدي "

السابقالتالي
2 3 4