Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير التفسير الكبير / للإمام الطبراني (ت 360 هـ) مصنف و مدقق


{ وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ ٱلطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْمُبِينُ }

قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ }؛ أي وَرثَ نُبُوَّتَهُ وعلمَهُ ومُلكَهُ، وذلك أنهُ كان لداودَ تِسْعَةَ عشرَ إبناً ذكراً، فوَرثَ سليمانُ مُلْكَهُ ومجلسَهُ ومقامه ونبوَّته مِن بينهم.

وعن أبي هريرةَ قال: (نَزَلَ كِتَابٌ مِنَ السَّمَاءِ إلَى دَاوُدَ عليه السلام مَخْتُوماً، فِيْهِ عَشْرُ مَسَائِلَ؛ أن اسْأَل ابْنَكَ سُلَيْمَانَ عَنْهُنَّ، فَإنْ أخْرَجَهُنَّ فَهُوَ الْخَلِيْفَةُ مِنْ بَعْدِكَ. قَالَ: فَدَعَا دَاوُدُ سَبْعِيْنَ قِسِّيْساً وَسَبْعِيْنَ حَبْراً، وَأجْلَسَ سُلَيْمَانَ بَيْنَهُمْ، وَقَالَ لَهُ: يَا نَبيَّ اللهِ؛ إنَّهُ نَزَلَ كِتَابٌ مِنَ السَّمَاءِ فِيْهِ عَشْرُ مَسَائِلَ، أرَدْتُ أنْ أسْأَلَكَ عَنْهُنَّ، فَإنْ أنْتَ أخْرَجْتَهُنَّ فَأَنْتَ الْخَلِيْفَةُ مِنْ بَعْدِي. فَقَالَ سُلَيْمَانُ: لِتَسْأَلْ نَبيَّ اللهِ عليه السلام عَمَّا اللهُ يَرَاهُ، وَمَا تَوْفِيْقِي إلاَّ باللهِ.

قَالَ: أخْبرْنِي يَا نَبيَّ: مَا أبْعَدُ الأَشْيَاءِ؟ وَمَا أقْرَبُ الأَشْيَاءِ؟ وَمَا آنَسُ الأَشْيَاءِ؟ وَمَا أوْحَشُ الأَشْيَاءِ؟ وَمَا الْقَائِمَانِ؟ وَمَا الْمُخْتَلِفَانِ؟ وَمَا الْمُتَبَاغِضَانِ؟ وَمَا الأَمْرُ الَّذِي إذا رَكِبَهُ الرَّجُلُ حَمَدَ آخِرَهُ؟ وَمَا الأَمْرُ الَّّذِي إذا رَكِبَهُ الرَّجُلُ ذمَّ آخِرَهُ؟

فَقَالَ سُلَيْمَانُ: أمَّا أقْرَبُ الأَشْيَاءِ فَالآخِرَةُ، وَأمَّا أبْعَدُ الأَشْيَاءِ فَمَا فَاتَكَ مِنَ الدُّنْيَا، وَأمَّا آنَسُ الأَشْيَاءِ فَجَسَدٌ فِيْهِ رُوحٌ، وَأمَّا أوْحَشُ الأَشْيَاءِ فَجَسَدٌ لاَ رُوحَ فِيْهِ، وَأمَّا الْقَائِمَانِ فَالسَّّمَاءُ والأَرْضُ، وَأمَّا الْمُخْتَلِفَانِ فَاللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، وَأمَّا الْمُتَبَاغِضَانِ فَالْمَوْتُ وَالْحَيَاةُ، وَأمَّا الأَمْرُ الَّّذِي إذا رَكِبَهُ الرَّجُلُ حَمَدَ آخِرَهُ فَالْحِلْمُ عَلَى الْغَضَب، وَأمَّا الأمْرُ الَّذِي إذا رَكِبَهُ ذمَّ آخِرَهُ فَالْحِدَّةُ عَلَى الْغَضَب.

قَالَ: فَفَكَّ الْخَتْمَ فَإذا هِيَ هَذِهِ الْمَسَائِلُ سَوَاءٌ عَلَى مَا نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ. فَقَالَ الْقِسِّيْسُونَ وَالأَحْبَارُ: لَنْ نَرْضَى حَتَّى نَسْأَلَهُ عَنْ مَسْأَلَةٍ، فَإنْ هُوَ أخْرَجَهَا فَهُوَ الْخَلِيْفَةُ مِنْ بَعْدِكَ. فَقَالَ سُلَيْمَانُ: سَلُونِي وَمَا تَوْفِيْقِي إلاَّ باللهِ، قَالُواْ: مَا الشَّيْءُ الَّذِي إذا صَلُحَ صَلُحَ كُلُّ شَيْءٍ مِنْهُ؟ وَإذا فَسَدَ فَسَدَ كُلُّ شَيْءٍ مِنْهُ؟ قَالَ: هُوَ الْقَلْبُ؛ إذا صَلُحَ صَلُحَ كُلُّ شَيْءٍ مِنْهُ، وَإذا فَسَدَ فَسَدَ كُلُّ شَيْءٍ مِنْهُ. قًَالُواْ: صَدَقْتَ! أنْتَ الْخَلِيْفَةُ مِنْ بَعْدِهِ. وَدَفَعَ إلَيْهِ دَاوُدُ قَضِيْبَ الْمُلْكِ، وَمَاتَ مِنَ الْغَدِ).

وعن محمَّد بن جعفرٍ عن أبيهِ قال: (أُعْطِيَ سُلَيْمَانُ مُلْكَ مَشَارِقِ الأَرْضِ وَمَغَاربهَا، فَمَلَكَ سَبْعَمِائَةِ سَنَةٍ وَسِتَّةَ أشْهُرٍ، مَلَكَ أهْلَ الدُّنْيَا كُلَّهُمْ مِنَ الْجِنِّ والإنْسِ وَالشَّيَاطِيْنِ وَالدَّوَاب وَالطَّيْرِ وَالسِّبَاعِ، وَأُعْطِيَ عِلْمَ كُلِّ شَيْءٍ، وَمَنْطِقَ كُلِّ شَيْءٍ).

وقولهُ تعالى: { وَقَالَ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ ٱلطَّيْرِ }؛ صَوْتٌ منهُ. قال الفرَّاءُ: (مَنْطِقُ الطَّيْرِ: مَعْنَى كَلاَمِ الطَّيْرِ، جَعَلَهُ كَمَنْطِقِ الرَّجُلِ إذا فُهِمَ). قال مقاتلُ: (كَانَ سُلَيْمَانُ جَالِساً إذْ مَرَّ بهِ طَائِرٌ، فَقَالَ لِجُلَسَائِهِ: هَلْ تَدْرُونَ مَا قَالَ هَذا الطَّائِرُ؟ قَالُواْ: لاَ، قَالَ: إنَّهُ قَالَ لِي: السَّلاَمُ عَلَيْكَ أيُّهَا الْمَلِكُ الْمُسَلَّطُ عَلَى بَنِي إسْرَائِيْلَ. وَمَرَّ سُلَيْمَانُ ذاتَ يَوْمٍ عَلَى بُلْبُلٍ فَوْقَ شَجَرَةٍ يُحَرِّكُ رَأسَهُ وَيُمِيْلُ ذنَبَهُ وَيَصِيْحُ، فَقَالَ لأَصْحَابهِ: هَلْ تَدْرُونَ مَا يَقُولُ هَذا الْبُلْبُلُ؟ قَالُواْ: اللهُ أعْلَمْ! قَالَ: إنَّهُ يَقُولُ: أكَلْتُ نِصْفَ ثَمَرَة فَعَلَى الدُّنْيَا الْعَفَاءُ).

السابقالتالي
2