Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير التفسير الكبير / للإمام الطبراني (ت 360 هـ) مصنف و مدقق


{ وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ فِيۤ أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلاۤ إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ ٱتَّقَىٰ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوآ أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ }

قوله عَزَّ وَجَلَّ: { وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ فِيۤ أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ }؛ يعني اذكروا اللهَ تعالى بالتكبيرِ إدبار الصلوات وعند الجمراتِ، يكبر مع كلِّ حصاةٍ؛ وغيرها من الأوقاتِ. واختلفوا في الأيام المعدوداتِ؛ فروي عن ابنِ عباس والحسنِ ومجاهد وعطاء والضحاكِ والنخعي: (أنَّ الأَيَّامَ الْمَعْدُودَاتِ: أيَّامُ التَّشْرِيْقِ؛ وَالأَيَّامَ الْمَعْلُومَاتِ: أيَّامُ الْعَشْرِ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ)؛ وهكذا رُوي عن أبي حنيفةَ وأبي يوسف ومحمدٍ. وروي أيضاً عن ابنِ عباسٍ: (أنَّ الأَيَّامَ الْمَعْدُودَاتِ: أيَّامُ الْعَشْرِ، وَالأَيَّامَ الْمَعْلُومَاتِ: أيَّامُ النَّحْرِ).

ولا شكَّ أن في هذه الرواية غلطاً وهي خلافُ الكتاب؛ لأنَّ الله تعالى عقَّب الأيامَ المعدودات بقوله: { فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ }؛ وليس في العشرِ حكمٌ بتعليقِ يومين دون الثالث. وعن أبي يوسف: (أنَّ الْمَعْلُومَاتِ: أيَّامُ النَّحْرِ، وَالْمَعْدُودَاتِ: أيَّامُ التَّشْرِيْقِ)؛ قال هذا القولَ استدلالاً من الآيتين؛ لأنَّ الله تعالى قال في ذِكر الأيامِ المعلومات:عَلَىٰ مَا رَزَقَهُمْ مِّن بَهِيمَةِ ٱلأَنْعَامِ } [الحج: 28]. وقال في هذه الآية: { فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ } ، فيومَ النَّحر على هذه الرواية من المعلوماتِ دون المعدوداتِ؛ وآخرِ أيام التشريق من المعدوداتِ دون المعلوماتِ؛ واليومُ الثاني والثالثُ من أيام النحرِ من المعلوماتِ والمعدودات جميعاً.

والجوابُ عن استدلالِ أبي يوسف من الآيتين: أنَّ لفظَ المعلومات يقتضي الشُّهرة ولفظَ المعدودات يقتضي تقليلَ العدد كما في قوله:دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ } [يوسف: 20] فاقتضى الظاهرُ أنَّ المعدوداتَ أقل من المعلوماتِ؛ ويحتملُ أنْ يكون معنىعَلَىٰ مَا رَزَقَهُمْ مِّن بَهِيمَةِ ٱلأَنْعَامِ } [الحج: 28] لِمَا رزقهم كما قال اللهُ تعالى:وَلِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ } [البقرة: 185] أي لِما هداكم، فكأنَّ اللهَ تعالى أرادَ بالمعلوماتِ أيامَ العشر؛ لأنَّ فيها يومَ النحر وفيه الذبحُ، ويكون ذلك اليومُ بتكرار سنين عليه أيَّاماً.

وأما الذِّكْرُ المذكورُ في هذه الآية فهو الذِّكْرُ عندَ رَمْيِ الجِمار في أيامِ التشريق. وقال بعضُهم: هو التكبيرُ في إدبار صلاةِ العصر في هذه الأيام؛ يكبَّر من صلاة الغداةِ مِن يوم عرفة إلى صلاةِ العصر من آخر آيامِ التشريقِ عند جماعةٍ من الفقهاء. والتأويلُ الأولُ أصحُّ وأقرب إلى ظاهرِ القرآن؛ لأن اللهَ تعالى عقَّب الذكرَ في هذه الآية بقوله: { فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ } أي من تعجَّل الرجوعَ إلى أهلهِ فلا إثمَ عليه في تركِ الرمي في اليوم الثالث؛ { وَمَن تَأَخَّرَ }؛ إلى آخرِ النَّفْرِ وأقام هنالكَ في اليوم الثالث، { فَلاۤ إِثْمَ عَلَيْهِ }.

قَوْلُهُ تَعَالَى: { لِمَنِ ٱتَّقَىٰ }؛ أي لِمن اتَّقى الإثمَ والفسوقَ والتفريطَ في حقوق الحجِّ كلها. وأما مَن لم يَتَّقِ فغيرُ موعود له الثوابُ. وقال ابنُ عمر وابنُ عباس وعطاءُ وعكرمة ومجاهدُ وقتادة والضحاك والنخعيُّ والسديُّ: (مَعْنَى الآيَةِ: فَمَنْ تَعَجَّّلَ فِي يَوْمَيْنِ مِنْ أيَّامِ التَّشرِيْقِ فَنَفَرَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي مِنْ أيَّامِ التَّشْرِيْقِ؛ فَلاَ إثْمَ عَلَيْهِ فِي تَعْجِيْلِهِ، وَمَنْ تَأَخَّرَ عَنِ النَّفْرِ فِي الثَّانِي مِنْ أيَّامِ التَّشْرِيْقِ إلَى الْيَوْمِ الثَّالِثِ حَتَّى يَنْفِرَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ؛ فَلاَ إثْمَ عَلَيْهِ فِي التَّأْخِيْرِ، فَإنْ لَمْ يَنْفِرْ فِي الْيَوْمِ الثًّانِي وَأقَامَ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ؛ فَلْيُقِمْ إلَى الْغَدِ مِنَ الْيَوْمِ الثَّالِثِ فَيَرْمِي الْجِمَارَ ثُمَّ يَنْفِرُ مَعَ النَّاسِ).

السابقالتالي
2