Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير التسهيل لعلوم التنزيل / ابن جزي الغرناطي (ت 741 هـ) مصنف و مدقق


{ وَيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِيۤ آيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِّن مَّحِيصٍ } * { فَمَآ أُوتِيتُمْ مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ لِلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ } * { وَٱلَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ ٱلإِثْمِ وَٱلْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُواْ هُمْ يَغْفِرُونَ } * { وَٱلَّذِينَ ٱسْتَجَابُواْ لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ } * { وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَابَهُمُ ٱلْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ } * { وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى ٱللَّهِ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلظَّالِمِينَ } * { وَلَمَنِ ٱنتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَـٰئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِّن سَبِيلٍ } * { إِنَّمَا ٱلسَّبِيلُ عَلَى ٱلَّذِينَ يَظْلِمُونَ ٱلنَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } * { وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ } * { وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِن وَلِيٍّ مِّن بَعْدِهِ وَتَرَى ٱلظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَىٰ مَرَدٍّ مِّن سَبِيلٍ } * { وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ ٱلذُّلِّ يَنظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ وَقَالَ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِنَّ ٱلْخَاسِرِينَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ أَلاَ إِنَّ ٱلظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُّقِيمٍ }

{ وَيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِيۤ آيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِّن مَّحِيصٍ } أي يعلمون أنه لا مهرب له من الله، وقرأ نافع وابن عامر يعلم بالرفع على الاستئناف، [وقرأ الباقون] بالنصب واختلف في إعرابه على قولين: أحدهما أنه نصب بإضمار أن بعد الواو لما وقعت بعد الشرط والجزاء؛ لأنه غير واجب. وأنكر ذلك الزمخشري وقال: إنه شاذ فلا ينبغي أن يحمل القرآن عليه، والثاني قول الزمخشري إنه معطوف على تعليل محذوف تقديره: لينتقم منهم ويعلم، قال: ونحوه من المعطوف على التعليل المحذوف في القرآن كثير، ومنه قوله:وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِّلْنَّاسِ } [مريم: 21] { كَبَائِرَ ٱلإِثْمِ } ذكرنا الكبائر في [النساء: 31] وقيل: كبائر الإثم: هو الشرك، والفواحش: هي الزنا واللفظ أعم من ذلك.

{ وَٱلَّذِينَ ٱسْتَجَابُواْ لِرَبِّهِمْ } قيل: يعني الأنصار، لأنهم استجابوا لما دعاهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام، ويظهر لي أن هذه الآية إشارة إلى ذكر الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم، لأنه بدأ أولاً بصفات أبي بكر الصديق، ثم صفات عمر بن الخطاب، ثم صفات عثمان بن عفان، ثم صفات علي بن أبي طالب، فكونه جمع هذه الصفات، ورتبها على هذا الترتيب يدل على أنه قصد بها من اتصف بذلك، فأما صفات أبي بكر فقوله: { لِلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ } ، وإنما جعلناها صفة أبي بكر وإن جميعهم متصفاً بها، لأن أبا بكر كانت له فيها مزية لم تكن لغيره فقد روي: لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان الأمة لرجحهم وورد: أنا مدينة الإيمان وأبو بكر بابها. وقال أبو بكر: لو كشف الغطاء لما ازددت إلا يقيناً والتوكل إنما يقوى بقوة الإيمان. أما صفات عمر فقوله: { وَٱلَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ ٱلإِثْمِ وَٱلْفَوَاحِشَ } لأن ذلك هو التقوى، وقوله: إذا ما غضبوا هم يغفرون، وقوله:قُل لِّلَّذِينَ آمَنُواْ يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ ٱللَّهِ } [الجاثية: 14] نزلت في عمر، وأما صفات عثمان فقوله: { وَٱلَّذِينَ ٱسْتَجَابُواْ لِرَبِّهِمْ } لأن عثمان لما دعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الإيمان تبعه، وبادر إلى الإسلام وقوله، { وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ } ، لأن عثمان كان كثير الصلاة بالليل، وفيه نزلتأَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَآءَ ٱلَّيلِ سَاجِداً وَقَآئِماً } [الزمر: 9] الآية: وروي أنه كان يحي الليل بركعة يقرأ فيها القرآن كله، وقوله: { وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ } لأن عثمان ولي الخلافة بالشورى، وقوله: { وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ } ، لأن عثمان كان كثير النفقة في سبيل الله، ويكفيك أنه جهّز جيش العسرة، وأما صفة عليّ فقوله: { وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَابَهُمُ ٱلْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ } ، لأنه لما قاتلته الفئة الباغية قاتلها انتصاراً للحق، وانظر كيف سمّى رسول الله صلى الله عليه وسلم المقاتلين لعلي الفئة الباغية حسبما ورد في الحديث الصحيح أنه قال لعمار بن ياسر تقتلك الفئة الباغية فذلك هو البغي الذي أصابه وقوله: { فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى ٱللَّهِ } إشارة إلى فعل الحسن بن عليّ حين بايع معاوية، وأسقط حق نفسه ليصلح أحوال المسلمين، ويحقن دماءهم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحسن:

السابقالتالي
2