Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير التسهيل لعلوم التنزيل / ابن جزي الغرناطي (ت 741 هـ) مصنف و مدقق


{ فَحَمَلَتْهُ فَٱنْتَبَذَتْ بِهِ مَكَاناً قَصِيّاً } * { فَأَجَآءَهَا ٱلْمَخَاضُ إِلَىٰ جِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ قَالَتْ يٰلَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَـٰذَا وَكُنتُ نَسْياً مَّنسِيّاً } * { فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَآ أَلاَّ تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً } * { وَهُزِّىۤ إِلَيْكِ بِجِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً } * { فَكُلِي وَٱشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ ٱلبَشَرِ أَحَداً فَقُولِيۤ إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَـٰنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ ٱلْيَوْمَ إِنسِيّاً } * { فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُواْ يٰمَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً }

{ فَحَمَلَتْهُ } يعني: في بطنها وكانت مدة حملها ثمانية أشهر، وقال ابن عباس: حملته وولدته في ساعة { مَكَاناً قَصِيّاً } أي بعيداً، وإنما بعدت حياء من قومها أن يظنوا بها الشر { فَأَجَآءَهَا } معناه: ألجأها وهو منقول من جاء بهمزة التعدية { ٱلْمَخَاضُ } أي النفاس { إِلَىٰ جِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ } رُوي أنها احتضنت الجذع لشدة وجع النفاس { قَالَتْ يٰلَيْتَنِي مِتُّ } إنما تمنت الموت خوفاً من إنكار قومها، وظنهم بها الشر، ووقوعهم في دمها وتمني الموت جائز في مثل هذا، وليس هذا من تمني الموت لضر نزل بالبدن فإنه منهي عنه.

{ وَكُنتُ نَسْياً } النِسْي الشيء الحقير الذي لا يؤبه له، ويقال بفتح النون وكسرها { فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَآ } قرئ من بفتح الميم وكسرها، وقد اختلف على كلتا القراءتين، هل هو جبريل أو عيسى، وعلى أنه جبريل قيل: إنه كان تحتها كالقابلة، وقيل: كان في مكان أسفل من مكانها { أَلاَّ تَحْزَنِي } تفسير للنداء، فأن مفسرة { سَرِيّاً } جدولاً وهي ساقية من ماء كان قريباً من جذع النخلة، روي أن النبي صلى الله عليه وسلم فسره بذلك وقيل: يعني عيسى فإن السري الرجل الكريم { وَهُزِّىۤ إِلَيْكِ بِجِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ } كان جذعاً يابساً، فخلق الله فيه الرطب كرامة لها وتأنيساً، وقد استدل بعض الناس بهذه الآية على أن الإنسان ينبغي له أن يتسبب في طلب الرزق، لأن الله أمر مريم بهز النخلة، والباء في بجذع زائدة كقوله:وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ } [البقرة: 195] { تُسَٰقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً } الفاعل بتساقط النخلة، وقرئ بالياء والفاعل على ذلك الجذع، ورطباً تمييز، والجني معناه: الذي طاب وصلح لأن يجتنى { فَكُلِي وَٱشْرَبِي } أي كلي من الرطب، واشربي من ماء الجدول، وهو السري { وَقَرِّي عَيْناً } أي طيبي نفساً بما جعل الله لك من ولادة نبي كريم، أو من تيسير المأكول والمشروب { فَإِمَّا تَرَيِنَّ } هي إن الشرطية دخلت عليها ما الزائدة للتأكيد، وترين فعل خوطبت به المرأة، ودخلت عليه النون الثقيلة للتأكيد { نَذَرْتُ لِلرَّحْمَـٰنِ صَوْماً } أي صمتاً عن الكلام، وقيل: يعني الصيام لأن من شرطه في شريعتهم الصمت، وإنما أمرت بالصمت صيانة لها عن الكلام، مع المتهمين لها، ولأن عيسى تكلم عنها، فإخبارها بأنها نذرت الصمت بهذا الكلام، وقيل: بالإشارة، ولا يجوز في شريعتنا نذر الصمت { فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا } لما رأت الآيات: علمت أن الله سيبين عذرها، فجاءت به من المكان القصي إلى قومها { شَيْئاً فَرِيّاً } أي شنيعاً وهو من الفرية.