الرئيسية - التفاسير


* تفسير الدر المصون/السمين الحلبي (ت 756 هـ) مصنف و مدقق


{ وَٱذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ ٱلْجَهْرِ مِنَ ٱلْقَوْلِ بِٱلْغُدُوِّ وَٱلآصَالِ وَلاَ تَكُنْ مِّنَ ٱلْغَافِلِينَ }

قوله تعالى: { تَضَرُّعاً وَخِيفَةً }: في نصبهما وجهان، أظهرهما: أنهما مفعولان من أجلهما لأنه يتسبَّب عنهما الذِّكْر. والثاني: أن ينتصبا على المصدر الواقع موقع الحال، أي: متضرعين خائفين، أو ذوي تضرع وخيفة. وقرئ " وخفية " بتقديم الفاء. وقيل: وهما مصدران للفعل مِنْ معناه لا من لفظه، ذكره أبو البقاء وهو بعيد.

قوله: { وَدُونَ ٱلْجَهْرِ } قال أبو البقاء: " معطوف على " تضرُّع " والتقدير: ومقتصدين ". وهذا ضعيف لأن " دون " ظرف لا يتصرَّف على المشهور، فالذي ينبغي أن يُجْعَل صفةٌ لشيء محذوف، ذلك المحذوف هو الحال كما قدَّره الزمخشري فقال: " ودونَ الجهر: ومتكلماً كلاماً دون الجهر؛ لأن الإِخفاءَ أَدْخَلُ في الإِخلاص وأقربُ إلى حسن التفكر ".

قوله: { بِٱلْغُدُوِّ وَٱلآصَالِ } متعلق باذكر، أي: اذكره في هذين الوقتين وهما عبارةٌ عن الليل والنهار. قال أبو البقاء: " بالغُدُوِّ " متعلق بـ " ادعوا " وهو سَبْقُ لسانٍ وقلم، إذ ليس نظمُ القرآن كذا.

والغُدُوّ: إمَّا جمع غُدْوة كقمح وقمحة، وعلى هذا فيكون قد قابل الجمع بالجمع المعنوي. وقيل: هو مصدرٌ فيقدَّرُ زمانٌ مضاف إليه حتى يتقابل زمان مجموع بمثله، تقديره: بأوقات الغدو. والآصال: جمع أُصُل، وأُصُل جمع أصيل فهو جمع الجمع. ولا جائزٌ أن يكونَ جماً لأصيل؛ لأن فعيلاً لا يُجْمع على أفعال. وقيل: بل هو جمعٌ لأصيل، وفعيل يُجمع على أفعال نحو: يمين وأيمان. وقيل: آصال جمع لـ " أُصُل " وأُصُل مفرد، ثبت ذلك مِنْ لغتهم وهو العشيُّ، وفُعُل يُجمع على أَفْعال قالوا: عُنُق وأعناق، وعلى هذا فلا حاجة إلى دَعْوى أنه جمع الجمع، ويُجْمع على أُصلان كرَغيف ورُغْفان، ويُصَغَّر على لفظه كقوله:
2378ـ وَقَفْتُ فيها أُصَيْلالاً أسائلُها   عَيَّتْ جواباً وما بالرَّبْعِ مِنْ أحدِ
واستدلُّ الكوفيون بقولهم " أُصَيْلان " على جواز تصغير جمع الكثرة بهذا البيت، وتأوَّله البصريون على أنه مفرد، وتُبدل نونه لاماً، ويُروى أصيلالاً.

وقرأ أبو مجلز ـ واسمُه لاحق بن حميد السدوسي البصري ـ " والإِيصال " مصدرُ آصَل، أي: دخل في الأصيل.