Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير الدر المصون/السمين الحلبي (ت 756 هـ) مصنف و مدقق


{ فَإِنْ عُثِرَ عَلَىٰ أَنَّهُمَا ٱسْتَحَقَّآ إِثْماً فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِٱللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِن شَهَادَتِهِمَا وَمَا ٱعْتَدَيْنَآ إِنَّا إِذاً لَّمِنَ ٱلظَّالِمِينَ }

قوله تعالى: { فَإِنْ عُثِرَ }: مبني للمفعول، والقائمُ مقامَ فاعِله الجارُّ بعدَه، أي: فإنِ اطُّلِعَ على استحقاقِهما الإِثمَ يقال: [عَثَر الرجلُ يعثُر] عُثوراً: إذا هَجَم على شيء لم يَطَّلِعْ عليه غيرُه، وأعثرتُه على كذا: أطلعتُه عليه، ومنه قولُه تعالى:أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ } [الكهف: 21]. قال أهلُ اللغة: " وأصلُه من " عَثْرة الرجل " وهي الوقوع، وذلك أن العاثِرَ إنما يَعْثُر بشي كان لا يَراه، فإن عَثَر به اطِّلع عليه ونَظَر ما هو، فقيل لكل أمر كان خَفِيّاً ثم اطُّلِع عليه: " عُثِر عليه " وقال الليث: " عَثَر يَعْثُر عُثوراً هجم على أمرٍ لم يهجم عليه غيرُه، وعَثَر يَعْثُر عَثْرَةً وقع على شيء، ففرَّق بين الفعلين بمصدريهما. وفَرَّق أبو البقاء بينهما بغير ذلك فقال: " عَثَر مصدرُه العُثور، ومعناه اطَّلع، فأمَّا " عَثَر " في مَشْيِة ومنطقه ورأيه فالعِثارُ " والراغب جَعَل المصدرين على حَدِّ سواء فإنه قال: " عَثَر الرجلُ بالشيء يَعْثُر عُثوراً وعِيثاراً: إذا سَقَط عليه، ويُتَجَوًَّزُ به فيمن يَطِّلِعُ على أمرٍ من غيرِ طلبه، يقال: " عَثَرْتُ على كذا " وقوله:وَكَذٰلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ } [الكهف: 21] أي: وَقَّفْناهم عليهم من غير أَنْ طَلَبوا ".

قوله تعالى: { فَآخَرَانِ } فيه أربعةُ أوجه، [الأول]: أن يرتفع على أنه خبر مبتدأ مضمر تقديره: فالشاهدان آخران، والفاء جواب الشرط، دَخَلَتْ على الجملة الاسمية، والجملةُ من قوله: { يقومان } محلِّ رفعٍ صفةً لـ آخران. الثاني: أنه مرفوعٌ بفعلٍ مضمرٍ تقديرُه: فليشهد آخران، ذكره مكي وأبو البقاء وقد تَقَدَّم أن الفعلَ لا يُحْذَفُ وحدَه إلا في مواضعَ ذكرتُها عند قوله:حِينَ ٱلْوَصِيَّةِ ٱثْنَانِ } [المائدة: 106]. الثالث: أنه خبرٌ مقدم، و " الأَوْلَيان " مبتدأٌ مؤخرٌ، والتقدير: فالأَوْلَيان بأمر الميت آخران يَقُومان مقامَهان ذكر ذلك أبو عليّ. قال: " ويكونُ كقولك: " تميمي أنا " الرابع: أنه متبدأٌ، وفي الخبرِ حينئذٍ احتمالات، أحدُها: قولُه: { مِنَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَحَقَّ } وجاز الابتداءُ به لتخصُّصِه بالوصف وهو الجملة من " يَقُومان " ، والثاني: أنَّ الخبرَ " يَقُومان " و " من الذين استحَقَّ " صفةُ المتبدأ، ولا يَضُرُّ الفصلُ بالخبر بين الصفة وموصوفها، والمسوِّغُ أيضاً للابتداء به اعتمادُه على فاءِ الجزاء. وقال أبو البقاء لَمَّا حَكَى رفعَه بالابتداء: " وجازَ الابتداءَ هنا بالنكرةِ لحصولِ " الفائدةِ " فإنْ عَنَى أنَّ المسوِّغَ مجردُ الفائدةِ من غيرِ اعتبارِ مسوِّغٍ من المُسَوِّغات التي ذكرتُها فغيرُ مُسَلَّم الثالث: أنَّ الخبرَ قولُه: " الأَوْليَان " نقله أبو البقاء، وقوله " يَقُومان " و " مِن الذين استَحَقَّ " كلاهما في محلِّ رفعٍ صفةً لـ " آخران " ويجوزُ ان يكونَ أحدُهما صفةً والآخرُ حالاً، وجاءَتِ الحالُ من النكرةِ لتخصُّصِها بالوصفِ.

السابقالتالي
2 3 4 5 6 7 8