Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير الدر المصون/السمين الحلبي (ت 756 هـ) مصنف و مدقق


{ قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ ٱلأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ ٱئْتُونِي بِكِتَابٍ مِّن قَبْلِ هَـٰذَآ أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ }

قوله: { أَرَأَيْتُمْ }: تقدَّمَ حُكْمُها. ووقع بعدَها " أَرُوْني " فاحتملت وجهين، أحدُهما: أَنْ تكونَ توكيداً لها لأنَّهما بمعنى أَخْبروني، وعلى هذا يكونُ المفعولُ الثاني لـ " أَرَأَيْتُمْ " قولَه: " ماذا خَلَقوا " لأنه استفهامٌ، والمفعولُ الأولُ هو قولُه: " ما تَدْعُون ". والوجه الثاني: أنْ لا تكونَ مؤكِّدةً لها، وعلى هذا تكون المسألةُ من بابِ التنازعِ لأنَّ " أَرَأَيْتُمْ " يطلب ثانياً، و " أرُوْني " كذلك، وقولُه: " ماذا خَلَقوا " هو المتنازَعُ فيه، وتكون المسألةُ من إعمالِ الثاني والحذفِ من الأولِ. وجوَّزَ ابنُ عطية في " أَرَأَيْتُم " أنْ لا يتعدَّى. وجعل " ما تَدْعُوْن " استفهاماً معناه التوبيخُ. قال: " وتَدْعُوْنَ " معناه " تَعْبدون " قلت: وهذا رأيُ الأخفشِ وقد قال بذلك في قولِه:قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَآ إِلَى ٱلصَّخْرَةِ } [الكهف: 63] وقد مضَى ذلك.

قوله: " من الأرض " هذا بيانُ الإِبهامِ الذي في قوله: " ماذا خَلَقُوا ".

قوله: " أَمْ لهم " هذه " أم " المنقطعةُ. والشِّرْكُ: المُشاركة.

قوله: { مِّن قَبْلِ هَـٰذَآ } صفةٌ لـ " كتاب " أي: بكتابٍ مُنَزَّلٍ من قبل هذا. كذا قَدَّره أبو البقاء. والأحسنُ أَنْ يُقَدَّرَ/ كونٌ مطلقٌ أي: كائِن مِنْ قبلِ هذا.

قوله: " أَو أَثَارَةٍ " العامة على " أَثارة " وهي مصدرٌ على فَعالة كالسَّماحَة والغَواية والضَّلالة، ومعناها البقيةُ مِنْ قولِهم: سَمِنَتِ الناقةُ على أثارةٍ مِنْ لحم، إذا كانت سَمينةً ثم هَزَلَتْ، وبقِيَتْ بقيةٌ مِنْ شَحْمِها ثم سَمِنَتْ. والأثارَةُ غَلَبَ استعمالُها في بقيةِ الشَّرَف. يقال: لفلانٍ أثارةٌ أي: بقيةٌ أشرافٌ، ويُستعمل في غيرِ ذلك. قال الراعي:
ـ وذاتِ أثارَةٍ أكلَتْ عليها   نباتاً في أكِمَّتِهِ قِفارا
وقيل:اشتقاقها مِنْ أَثَر كذا أي: أَسْنَدَه. ومنه قول عمر: " ما حَلَفْتُ ذاكراً ولا آثِراً " أي: مُسْنِداً له عن غيري. وقال الأعشى:
4039أ ـ إنَّ الذي فيه تَمارَيْتُما   بُيِّنَ للسامعِ والآثِرِ
وقيل فيها غيرُ ذلك. وقرأ عليُّ وابنُ عباس وزيد بن علي وعكرمة في آخرين " أَثَرَة " دونَ ألفٍ، وهي الواحدة. ويُجْمع على أثَر كقَتَرَة وقَتَر. وقرأ الكسائيُّ " أُثْرَة " و " إثْرَة " بضم الهمزة وكسرِها مع سكونِ الثاء. وقتادةُ والسُّلمي بالفتح والسكون. والمعنى: بما يُؤثَرُ ويُرْوى. أي: ايتوني بخبرٍ واحدٍ يَشْهَدُ بصحةِ قولِكم. وهذا على سبيلِ التنزُّلِ للعِلْمِ بكذِبِ المُدَّعي. و " مِنْ عِلْمٍ " صفةٌ لأَثارة.