Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير الدر المصون/السمين الحلبي (ت 756 هـ) مصنف و مدقق


{ إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ ظَالِمِيۤ أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي ٱلأَرْضِ قَالْوۤاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ ٱللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَـٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَآءَتْ مَصِيراً }

قوله تعالى: { إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ }: " توفَّاهم " يجوز أن يكون ماضياً، وإنما لم تلحق علامة التأنيث للفعل لأن التأنيث مجازي،و يدل على كونِه فعلاً ماضياً قراءةُ " توفَّتْهم " بتاء التأنيث، ويجوز أن يكون مضارعاً حُذِفت إحدى التاءين منه، والأصلُ: تتوفاهم.

و " ظالمي " حالٌ من ضمير " توفَّاهم " والإِضافةُ غير محضة، إذ الأصل: ظالمين أنفسَهم. وفي خبر " إنَّ " هذه ثلاثة أوجه، أحدها: أنه محذوفٌ تقديرُه: إنَّ الذين توفَّاهم الملائكةُ هَلَكوا، ويكون قوله: { قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ } مبيِّناً لتلك الجملةِ المحذوفةِ. الثاني: أنه { فَأُوْلَـٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ } ودخلت الفاءُ زائدةً في الخبر تشبيهاً للموصول باسمِ الشرط، ولم تمنع " إنَّ " من ذلك، والأخفش يمنعه، وعلى هذا فيكون قولُه: { قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ } إمَّا صفةً لـ " ظالمي " أو حالاً للملائكة، و " قد " معه مقدرةٌ عند مَنْ يشترط ذلك، وعلى القول بالصفة فالعائد محذوف أي: ظالمين أنفسَهم قائلاً لهم الملائكة. والثالث: أنه " قالوا فيم كنتم " ،ولا بد من تقدير العائد أيضاً أي: قالوا لهم كذا، و " فيم " خبر " كنتم " وهي " ما " الاستفهامية حُذِفت ألفها حين جُرَّتْ، وقد تقدَّم تحقيق ذلك عند قوله:فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَآءَ ٱللَّهِ } [البقرة: 91] والجملة من قوله: " فيمَ كنتم " في محل نصب بالقول. " وفي الأرض " متعلقٌ بـ " مستضعفين " ، ولا يجوز أن يكون " في الأرض " هو الخبرَ، و " مستضعفين " حالاً، كما يجوز ذلك في نحو: " ان زيدٌ قائماً في الدار " لعدمِ الفائدةِ في هذا الخبر.

قوله: { فَتُهَاجِرُواْ } منصوبٌ في جوابِ الاستفهام، وقد تقدَّم تحقيق ذلك. وقال أبو البقاء: " ألم تكن " استفهام بمعنى التوبيخ، " فتهاجروا " منصوبٌ على جواب الاستفهام، لأنَّ النفيَ صار إثباتاً بالاستفهام " انتهى قولُه: " لأنَّ النفي " إلى آخره لا يَظْهر تعليلاً لقوله " منصوبٌ على جواب الاستفهام " لأن ذلك لا يَصِحُّ، وكذا لا يَصِحُّ جَعْلُه علةً لقوله " بمعنى التوبيخ ". و " ساءت ": قد تقدم القول في { ساء } ، وأنها تجري مَجْرى " بِئْس " فيُشْترط في فاعلها ما يُشترط في فاعل تيك. و " مصيراً " تمييز.