Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير الدر المصون/السمين الحلبي (ت 756 هـ) مصنف و مدقق


{ يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ ٱلرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّىٰ بِهِمُ ٱلأَرْضُ وَلاَ يَكْتُمُونَ ٱللَّهَ حَدِيثاً }

قوله تعالى: { يَوْمَئِذٍ }: فيه ثلاثة أقوال، أحدها: أنه معمول لـ " يود " أي: يَوَدُّ الذين كفروا يوم إذ جئنا. والثاني: أنه معمولٌ لـ " شهيداً " قاله أبو البقاء، قال " وعلى هذا يكون " يود " صفةً لـ " يوم " ، والعائد محذوف تقديره: فيه، وقد ذكر ذلك في قولهوَٱتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي } [البقرة: 48] وفيما قاله نظرٌ لا يَخْفى.

والثالث: أن " يوم " مبني لإضافته إلى " إذ " قاله الحوفي، قال: لأنَّ الظرف إذا أضيف إلى غير متمكن جاز بناؤُه معه. و " إذ " هنا اسمٌ؛ لأنَّ الظروفَ إذا أُضيف إليها خَرَجَتْ إلى معنى الاسمية من أجل تخصيصِ المضاف إليها كما تُخَصَّصُ الأسماءُ، مع استحقاقِها الجر، والجرُّ ليس من علامات الظروف ".

والتنوينُ في " إذ " تنوينُ عوضٍ على الصحيح، فقيل: عوض من الجملة الأولى في قوله { جِئْنَا مِن كُلِّ } أي: يومَ إذْ جِئْنا من كل أمة بشهيد، وجِئْنا بك على هؤلاء شهيداً، والرسولُ على هذا اسم جنس. وقيل: عوضٌ من الجملةِ الأخيرة، وهي " وجِئْنا بك " ، ويكون المراد بالرسول محمداً صلى الله عليه وسلم. وكان النظم " وعَصَوْك " ولكنْ أُبْرِزَ ظاهراً بصفةِ الرسالةِ تنويهاً بقَدْرِهِ وشَرَفِه.

وفي قوله: { وَعَصَوُاْ } ثلاثةُ أوجه، أحدُها: أنها جملة معطوفة على " كفروا " فتكونُ صلةً، فيكونون جامعين بين كفرٍ ومعصية. وقيل: بل هي صلةٌ لموصول آخر فيكونون طائفتين. وقيل: هي في محل نصب على الحال من " كفروا " و " قد " مرادةٌ أي: وقد عصوا. وقرأ يحيى وأبو السمَّال: " وعَصَوا الرسول " بكسر الواو على الأصل.

قوله: { لَوْ تُسَوَّىٰ } إنْ قيل: إنَّ " لو " على بابها كما هو قول الجمهور فمفعول " يود " محذوف أي: يود الذين كفروا تسويةَ الأرض [بهم]، ويدلُّ عليه: { لَوْ تُسَوَّىٰ بِهِمُ ٱلأَرْضُ } وجوابها حينئذ محذوف أي: لَسُرُّوا بذلك. وإنْ قيل: إنها مصدرية كانت هي وما بعدها في محل مفعول " يود " ولا جوابَ لها حينئذٍ، وقد تقدَّم تحقيقُ ذلك فييَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ } [البقرة: 96] قال أبو البقاء " وعَصَو الرسول " في موضع الحال، و " قد " مرادةٌ، وهي معترضةٌ بين " يود " وبين مفعولِها وهو " لو تُسَوَّى " ، و " لو " بمعنى " أَنْ " " المصدرية ". انتهى. وفي جَعْلِه الجملةَ الحاليةَ معترضةً بين المفعولِ وعاملِه نَظَرٌ لا يَخْفَى، لأنها مِنْ جملةِ متعلقات العامل الذي هو صلةٌ للموصولِ، وهذا نظير ما لو قلت: " ضَرَبَ الذين جاؤوا مُسْرِعين زيداً " فكما لا يقال إنَّ " مسرعين " معترض به فكذلك هذه الجملة.

السابقالتالي
2