Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير الدر المصون/السمين الحلبي (ت 756 هـ) مصنف و مدقق


{ كَيْفَ يَهْدِي ٱللَّهُ قَوْماً كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوۤاْ أَنَّ ٱلرَّسُولَ حَقٌّ وَجَآءَهُمُ ٱلْبَيِّنَاتُ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ }

قوله تعالى: { كَيْفَ يَهْدِي } كقولِهِ:كَيْفَ تَكْفُرُونَ } [البقرة: 28] وقيل الاستفهامُ هنا معناه النفي، وأنشد:
1351ـ كيفَ نومي على الفراشِ وَلمَّا     تَشْمَلِ الشامَ غارةٌ شَعْواءُ
وقول الآخر:
1352ـ فهذي سيوفٌ يا صُدَّيُّ بنُ مالكٍ     كثيرٌ ولكن كيف بالسيفِ ضارِبُ
قوله: { وَشَهِدُوۤاْ } في هذه الجملة ثلاثةُ أوجه، أحدها: أنها معطوفةٌ على " كفروا " و " كفروا " في محلِّ نصبٍ نعتاً لقوماً، أي: كيف يهدي مَنْ جَمَعَ بين هذين الأمرين، وإلى هذا ذهب ابنُ عطية والحوفي وأبو البقاء، إلا أنَّ مكيّاً قد رَدَّ هذا الوجهَ فقال: " لا يجوزُ عطفُ " شهدوا " على " كفروا " لفسادِ المعنى " ، ولم يُبَيِّن جهةَ الفسادِ فكأنه فَهِمَ الترتيبَ بين الكفر والشهادة، فلذلك فَسَدَ المعنى، وهذا غير لازمٍ، فإنَّ الواو لا تقتضي ترتيباً، ولذلك قال ابن عطية: " المعنى مفهومٌ أنَّ الشهادةَ قبل الكفرِ والواوُ لا تُرَتِّب ".

الثاني: أنها في محلِّ نصبٍ على الحال من واو " كفروا " ، والعاملُ فيها الرافعُ لصاحبِها، و " قد " مضمرةٌ معها على رأي، أي: كفروا وقد وقد شهدوا، وإليه ذهب جماعة كالزمخشري وأبي البقاء وغيرهما، قال أبو البقاء: " ولا يجوز أن يكون العامل " يَهْدي " لأنه يهدي مَنْ شَهِدَ أن الرسول حق، يعني أنه لا يجوزُ أَنْ يكونَ حالاً من " قوماً " ، والعاملُ في الحال " يَهْدِي " لِما ذَكَر من فساد المعنى/.

الثالث: أن يكونَ معطوفاً على " إيمانهم " لما تضمَّنه من الانحلال لجملةٍ فعلية، إذ التقدير: بعد أن آمنوا وشهدوا، وإلى هذا ذهب جماعة، قال الزمخشري: " أن يُعْطف على ما في " إيمانهم " من معنى الفعل، لأن معناه: بعد أن آمنوا، كقولِهِ تعالَى:فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن } [المنافقون: 10] وقوله:
1353ـ مشائيمُ ليسوا مُصْلِحين عشيرةً     ولا ناعبٍ إلا بِبَيْنٍ غرابُها
انتهى. وجهُ تنظيره ذلك بالآية والبيت تَوَهُّمُ وجودِ ما يُسَوِّغُ العطفَ عليه في الجملة، كذا يقول النحاة: جُزِم على التوهم أي: لسقوط الفاء، إذ لو سقطت لانجزم في جوابِ التحضيض، وكذا يقولون: تَوَهَّم وجودَ الباءِ فجَرَّ، وفي العبارة بالنسبة إلى القرآن سوءُ أدبٍ، ولكنهم لم يقصِدوا ذلك حاش لله، وكان تنظير الزمخشري بغير ذلك أَوْلى كقوله:إِنَّ ٱلْمُصَّدِّقِينَ وَٱلْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُواْ } [الحديد: 18]، إذ هو في قوة: إن الذين صدقوا وأقرضوا، وفي هذه الآيةِ بحثٌ سيمر بك إن شاء الله تعالى.

وقال الواحدي: " عُطِف الفعلُ على المصدر؛ لأنه أراد بالمصدر الفعلَ تقديرُه: كفروا بالله بعد أَنْ آمنوا، فهوعطفٌ على المعنى كما قال:
1354ـ لَلُبْسُ عباءةٍ وتَقَرَّ عيني     أَحَبُّ إليَّ مِنْ لُبْسِ الشفوفِ
معناه: لأِنْ ألبس وتقرَّ عيني " فظاهرُ عبارة الزمخشري والواحدي أن الأولَ يُؤَوَّل لأجل الثاني، وهذا ليس بظاهر، لأنَّا إنما نحتاج إلى ذلك لكونِ الموضع يطلبُه فعلاً كقوله: { إِنَّ ٱلْمُصَّدِّقِينَ } لأنَّ الموصول يَطْلُبُ جملةً فعلية فاحتْجنا أَنْ نتأوَّل اسمَ الفاعل بفعلٍ، وعَطَفْنا عليه " وأقرضوا " ، وإما " بعد إيمانهم " وقوله " للبس عباءة " فليس مكانُ الاسمِ محتاجاً إلى فعل، فالذي ينبغي: أن نتأول الثاني باسمٍ ليصِحَّ عطفُه على الاسم الصريح قبله، وتأويلُه بأن نأتي معه بـ " أن " المصدرية مقدرةً، وتقديرُه: بعد إيمانهم وأَنْ شَهِدوا، أي: وشهادتهم، ولهذا تأوَّل النحويون قولَها: " لَلُبْسُ عباءةٍ وتقرَّ ": وأَنْ تقرَّ، إذ التقدير: وقرةُ عيني، وإلى هذا الذي ذكرته ذهب أبو البقاء فقال " التقدير: بعد أَنْ آمنوا وأن شهدوا، فيكونُ في موضعِ جَرٍّ ".

السابقالتالي
2