Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير الدر المصون/السمين الحلبي (ت 756 هـ) مصنف و مدقق


{ هَـٰذَانِ خَصْمَانِ ٱخْتَصَمُواْ فِي رَبِّهِمْ فَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ ٱلْحَمِيمُ }

قوله: { هَـٰذَانِ خَصْمَانِ }: الخَصْم في الأصل: مصدرٌ؛ ولذلك يُوحَّدُ ويذكَّرُ غالباً، وعليه قولُه تعالىٰ:نَبَأُ ٱلْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُواْ } [ص: 21]. ويجوز أنْ يُثَنَى ويجمعَ ويؤنَّثَ، وعليه هذه الآيةُ. ولمَّا كان كلُّ خَصْمٍ فريقاً يَجْمَعُ طائفةً قال: " اختصَمُوا " بصيغةِ الجمع كقولِه:وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱقْتَتَلُواْ } [الحجرات: 9] فالجمعُ مراعاةً للمعنىٰ.

وقرأ ابن أبي عبلة " اختصما " مراعاةً للفظِه وهي مخالفةٌ للسَّواد. وقال أبو البقاء: وأكثرُ الاستعمالِ توحيدُه فَمَنْ ثَنَّاه وجَمَعه حَمَله الصفات والأسماء، و " اختصموا " إنما جُمِعَ حملاً على المعنىٰ لأنَّ كلَّ خصمٍ [فريقٌ] تحته أشخاصٌ ". وقال الزمخشري: " الخصم صفةٌ وُصِفَ بها الفوجُ أو الفريقُ فكأنه قيل: هذان فوجان أو فريقان مختصمان. وقوله: " هذان " للَّفظِ، و " اختصموا " للمعنى كقوله:وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّىٰ إِذَا خَرَجُواْ } [محمد: 16] ولو قيل: هؤلاء خصمان أو اختصما جاز أن يُراد: المؤمنون والكافرون ". قلت: إنْ عَنَىٰ بقوله: " إن " خَصْماً " صفةٌ " بطريقِ الاستعمال المجازي فمُسَلَّم؛ لأنَّ المصدرَ يكثرُ الوصفُ به، وإنْ أراد أنه صفةٌ حقيقةً فَخَطَؤُه ظاهرٌ لتصريِحهم بأن نحوَ " رجلٌ خصمٌ " مثل " رجلٌ عَدْل " وقوله: " هذان للفظِ " أي: إنما أُشير إليهم إشارةُ المثنى وإنْ كان في الحقيقة المرادُ الجمعَ، باعتبار لفظِ الفوجَيْن والفريقين ونحوهما. وقوله كقولِهم: { وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ } إلى آخره فيه نظرٌ؛ لأنَّ في تيك الآيةِ تقدَّمَ شيءٌ له لفظٌ ومعنىً، وهو " مَنْ " ، وهنا لم يتقدَّمْ شيءٌ له لفظٌ ومعنىً. وقوله تعالى: { فِي رَبِّهِمْ } أي: في دين ربهم، فلا بُدَّ من حذف مضاف.

وقرأ الكسائيُّ ـ في روايةٍ عنه ـ " خِصمان " بكسر الخاء. وقوله: { فَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } هذه الجملةُ تفصيلٌ وبيانٌ لفصلِ الخصومة المَعْنِيِّ بقوله تعالىٰ:إِنَّ ٱللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ } [الآية: 17] قال الزمخشري. وعلى هذا فيكونُ { هَـٰذَانِ خَصْمَانِ } معترضاً. والجملة مِنْ " اختصموا " حاليةٌ، وليست مؤكدةً؛ لأنها أخصُّ مِنْ مطلقِ الخصومةِ المفهومةِ من " خصمان ".

وقرأ الزعفراني في اختياره " قُطِعَتْ " مخففَ الطاءِ. والقراءةُ المشهورةُ تفيدُ التكثيرَ، وهذه تحتمله.

قوله: { يُصَبُّ } هذه الجملةُ تحتمل أَنْ تكون خبراً ثانياً للموصول، وأن تكونَ حالاً من الضميرِ في " لهم " ، وأن تكونَ مستأنفةً.