Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير الدر المصون/السمين الحلبي (ت 756 هـ) مصنف و مدقق


{ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَآءَكُمْ وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِّن دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ }

قوله تعالى: { وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لاَ تَسْفِكُونَ }: كقوله:وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ: لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ ٱللَّهَ } [البقرة: 83].

قوله: { مِّن دِيَارِكُمْ } متعلِّقٌ بتُخْرِجُون ومِنْ لابتداءِ الغايةِ. ودِيار جمع دَار والأصل: دَوَر، لأنها من دَار يدُور دَوَراناً، وأصلُ دِيار: دِوار، وإنما قُلِبت الواوُ ياءً لانكسارِ ما قبلَها، واعتلالِها في الواحدِ. وهذه قاعدةٌ مطَّردة في كلِّ جَمْعٍ على فِعال صحيحِ اللام قد اعتلَّتْ عينُ مفردِه أو سَكَنَتْ حرفَ علةٍ نحوُ: دار ودِيار وثِياب، ولذلك صَحًّ " رِواء " لاعتلال لامه، و " طِوال " لتحرُّكِ عينِ مفردِه وهو طويلٍ، فأمَّا " طِيال " في طِوال فشاذٌّ. وحكمُ المصدرِ حكمُ هذا نحو: قامَ قِياماً وصامَ صِياماً، ولذلك صَحَّ " لِواذ " لِصحَّةِ فِعْلِه في قولِهم: لاوَذ، وأمَّا " دَيَّار " فهو من لفظة الدَّار، وأصلُه دَيْوار، فاجتمع الياءُ والواوُ فأُعِلاَّ على القاعدةِ المعروفةِ فوزنُه: فَيْعال لا فَعَّال، إذ لو كان فَعَّالاً لقيل: دَوَّار كصَوَّام وقَوَّام. والدارُ مجتمعُ القومِ من الأبنية. وقال الخليل: " كلُّ موضعٍ حَلَّه الناس، وإن لم يكن أبنيةً ".

وقرئ: " تَسْفُكُون " بضم الفاء، و " تُسَفِّكون " من سَفَّك مضعفاً، " وتُسْفِكون " من أَسْفك الرباعي.

وقوله: { دِمَآءَكُمْ } يَحْتملُ الحقيقةَ وقد وُجِدَ مَنْ قَتَلَ نَفْسَه، ويَحْتمل المجازَ وذلك من أوجه، أحدها: إقامةُ السببِ مُقامَ المُسَبَّب، أي: إذا سَفَكْتُمْ دمَ غيرِكم فقد سُفِكَ دَمُكم، وهو قريبٌ/ من قولهم: " القتلُ أنفى للقتل ". قال:
583ـ سَقَيْناهُمُ كأساً سَقَوْنا بمثلِها   ولكنهم كانُوا على الموتِ أَصْبَرَا
وقيل: " المعنى: لا يَسْفِك بعضُكم دمَ بعض " واختاره الزمخشري. وقيل: " لا تسفِكوها بارتكابكم ما يُوجِبُ سَفْكَها كالارتداد ونحوه ".

قوله: { ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ } قال أبو البقاء: " فيه وجهان، أحدُهما أنَّ " ثُمَّ " على بابِها في إفادَةِ العَطْفِ والتراخي. والمعطوفُ عليه محذوفٌ تقديرُه: فَقَبِلْتُم ثم أَقْررتم. والثاني: أن تكونَ " ثُمَّ " جاءَتْ لترتيبِ الخبرِ لا لترتيبِ المُخْبَر عنه، كقوله تعالى:ثُمَّ ٱللَّهُ شَهِيدٌ } [يونس: 46].

قوله: { وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ } كقوله:وَأَنْتُمْ مُّعْرِضُونَ } [البقرة: 83].