Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير الدر المصون/السمين الحلبي (ت 756 هـ) مصنف و مدقق


{ أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ ٱلْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَـٰهَكَ وَإِلَـٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَـٰهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ }

قوله: { أَمْ }: في أم هذه ثلاثةُ أقوالٍ، أحدُهما - وهو المشهورُ -: أنها منقطعةٌ، والمنقطعةُ تُقُدَّر بـ " بل " وهمزةِ الاستفهامِ وبعضُهم يقدَّرُها ببل وحدَها. ومعنى الإِضرابِ انتقالٌ من شيءٍ إلى شيءٍ لا إبطالٌ له، ومعنى الاستفهامِ الإِنكارُ والتوبيخُ فيؤُول معناه إلى النفي أي: بل أكنتم شهداءَ يعني لم تكونوا. الثاني: أنها بمعنى/ همزةِ الاستفهامِ وهو قولُ ابن عطية والطبري، إلا أنهما اختلفا في محلِّها: فإنَّ ابن عطية قال: " وأم تكون بمعنى ألفِ الاستفهامِ في صدرِ الكلامِ، لغةٌ يمانيَّة " وقال الطبري: " إنَّ أم يُستفهم بها وسْطَ كلامٍ قد تقدَّم صدرُه " ، قال الشيخ في قول ابن عطية: " ولم أقفْ لأحدٍ من النحويين على ما قال " ، وقال في قول الطبري: " وهذا أيضاً قولٌ غريبٌ ". الثالث: أنها متصلةٌ وهو قولُ الزمخشري، قال الزمخشري بعد أن جَعَلَها منقطعةً وجَعَلَ الخطابَ للمؤمنين قال بعد ذلك: " وقيل الخطابُ لليهود، لأنهم كانوا يقولون: ما مات نبيٌّ إلا على اليهودية، إلا أنهم لو شَهدوه وسمعوا ما قاله لبنيه وما قالوه لظَهَر لهم حِرْصُه على مِلَّة الإِسلامِ ولَمَا ادَّعَوا عليه اليهوديةَ، فالآيةُ منافيةٌ لقولهم، فكيف يُقال لهم: أم كنتم شهداءَ؟ ولكن الوجهَ أن تكونَ " أم " متصلةً على أَنْ يُقَدَّرَ قبلَها محذوفٌ كأنه قيل: أَتَدَّعُون على الأنبياءِ اليهوديةَ أم كنتُمْ شهداءَ، يعني أنَّ أوائلكم من بني إسرائيلَ كانوا مشاهِدين له إذا أراد بَنيه على التوحيد وملَّةِ الإِسلامِ. فما لكم تَدَّعُون على الأنبياءِ ما هم منه بَراءٌ؟ ".

قال الشيخ: " ولا أعلَمُ أحداً أجازِ حَذْفَ هذه الجملةِ، لا يُحْفَظُ ذلك في شعرٍ ولا غيرِه، لو قلت: " أم زيدٌ " تريد: " أقام عمروٌ أم زيدٌ " لم يَجُزْ، وإنما يجوز حَذْفُ المعطوفِ عليه مع الواوِ والفاءِ إذا دَلَّ عليه دليلٌ كقولك: " بلى وعمراً " لمَنْ قال: لم يَضرِبْ زيداً، وقوله تعالى:فَٱنفَجَرَتْ } [البقرة: 60] أي فضربَ فانفجَرَتْ، ونَدَرَ حَذْفُه مع أو كقوله:
732 ـ فَهل لكَ أو مِنْ والدٍ لَكَ قبلنا   .......................
أي: من أخٍ أو والدٍ، ومع حتى كقوله:
733 ـ فواعَجَباً حتى كُلَيْبٌ تَسُبُّني   كأن أباها نَهْشَلٌ أو مجاشِعُ
أي: يَسُبُّني الناسُ حتى كُلَيْبٌ، على نظرٍ فيه، وإنما الجائزُ حَذْفُ " أم " مع ما عَطَفَتْ كقوله:
734 ـ دعاني إليها القلبُ إني لأَمرِهِ   سميعٌ فما أدري أَرُشْدٌ طِلابُها
أي: أم غَيٌّ، وإنما جاز ذلك لأنَّ المستفْهَمَ عن الإِثبات يتضمَّن نقيضَه، ويجوز حَذْفُ الثواني المقابلاتِ إذا دَلَّ عليها المعنى، ألا ترى إلى قولِه:تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ } [النحل: 81] كيف حَذَف " والبردَ ".

السابقالتالي
2 3 4